كتاباتكتابات مختارة

مقال عالم أسير | لَبـرَلة الولاء والبراء (1-2) | بقلم د. إبراهيم السكران

مقال عالم أسير | لَبـرَلة الولاء والبراء (1-2) | بقلم د. إبراهيم السكران

في الأوساط المحلية طرح كثيراً موضوع ضرورة إعادة قراءة الولاء والبراء وقضايا بغض الكفار والزوجة الكتابية ونحوها، وكل هذه القراءات والمراجعات طبعاً تحت وطأة موجات الحرية الليبرالية الغالبة؛ فليست قراءة علمية معرفية تتوخى البرهان؛ بل هي قراءات تستهدف بشكل مكشوف تخفيض مضمون الولاء والبراء ليقترب من نظرية الحرية الليبرالية؛ فالولاء والبراء في القرآن يقيم نظام العلاقات على أساس العقيدة بينما الحرية الليبرالية تقيم نظام العلاقات على أسس مادية.

والطريف في الأمر أنني لما تأملت في كلامهم وجدت أنهم لم يتخلوا عن الولاء والبراء مثقال ذرة، ولم يتغير عندهم أي شيء حول وجود الولاء والبراء في تصرفاتهم وسلوكهم، وإنما الذي تحول عندهم هو أرضية الولاء والبراء، أو المبررات التي تستحق الولاء والبراء فقط؛ فقد كانوا سابقاً يقولون يجب أن يبغض الإنسان كل مَن كفر بالله بغضاً دينياً، ثم صاروا الآن يستفظعون ذلك، لكن لو قلت لهم إنني أحب من يعادي وطني لشنعوا عليك، ولو قلت لهم إنني أحب من يعادي وطني لاعتبروا ذلك تطرفاً وتخلفاً.

فالقضية فيما يبدو ليست تخلياً عن الولاء والبراء، وإنما إعادة تحديد لمن يستحق الولاء والبراء؛ فقد كانوا سابقاً يقولون إن الله هو المستحق لأن يكون الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه، صاروا يقولون إن وطنهم هو الذي يستحق الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه، هذه كل القضية بحسب دراستي لهذه الأطروحات؛ فالولاء والبراء لم ينتهِ لحظة واحدة، ولكن تحول على أساس الولاء والبراء من الله إلى الأرض، كما أشار تعالى فقال: {ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه}. [الأعراف 176] وقال تعالى: {اثّاقلتم إلى الأرض} [التوبة: 38] وهكذا كان فريق من الناس في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاملون مع الجهاد على أسس أرضية، لا على أسس عقدية، فهم لم يرفضوا القتال ولكن يرون القتال مبرراً على أساس الأرض لا العقيدة، كما قالوا في تحليلهم الفكرى لجهاد الرسول صلى الله عليه وسلم: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مُقام لكم فارجعوا} [الأحزاب 13]

إنه مشهد يتكرر ولكنه يتكرر بألم، حين تكون الأرض أغلى في نفوسنا من الله، فيكون الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس الأرض أمراً مقبولاً بل رقياً فكرياً، لكن الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس القرب والبعد من الله فهذا كله تخلف وتقوقع في قراءات ضيقة لبعض النصوص.

الأمر لا يحتاج بتاتاً كل هذه الفذلكة، لكن لأن العقيدة انهارت في النفوس وتشبعت القلوب بالإخلاد إلى الأرض، فقد فزع البعض إلى عيون الزوجة الكتابية لعلهم يجدون بين مشاعرها عذراً لنقل ولائهم وبرائهم من الله جل جلاله إلى الأرض. القضية باختصار شديد لو كانوا يريدون الحق أن كل كافر هو عدو الله بمجرد كفره؛ كما قال تعالى: {فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98] وأخبر أنه {لا يحب الكافرين}، وقال {ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مَقتاً} [فاطر: 39] وأخبر أن عداوة المؤمن تبع لعداوة الله؛ كما قال تعالى: {إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً} [النساء: 101]

فكل مؤمن لابد أن تقوم في نفسه العداوة القلبية الدينية لكل عدو لخالقه ومولاه جل وعلا، فإن لم يجد هذه العداوة القلبية الدينية لأعداء ربه سبحانه فليبكِ على إيمانه، ولو كمل حب الله في قلبه فيستحيل أن يحب خالقه وعدو خالقه في آن واحد، إلا إن كان المؤمن يتجرأ ويقول إن أعداء الله أحباب له فهذا شأن آخر، أو كان المرء يقول إن الكافر إذا لم يحاربنا فهو ليس عدو الله وإذا حاربنا فهو عدو الله، فصارت كرامته أعظم من كرامة الله! فهل يقول هذا عاقل؟ فأي تحد لله تعالى أن نقر أن الله عدو لجميع الكافرين وأن الله لا يحب جميع الكافرين، ثم نتحدى ربنا جل وعلا ونقول أما نحن فنحب بعض الكافرين؟

وتأمل معي في قوله تعالى: {هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ} [آل عمران:119] فهؤلاء قوم مظهرون للمسالمة بل يُظهرون غاية المسالمة، حتى أنهم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنّا، ومع ذلك يلوم الله المؤمنين على حبهم ولم يُبِح لهم حبهم بحسب ظاهرهم. ثم تأمل معي كيف انعكست آيات البراء وبغض الكفار على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك أن أسماء بنت عميس وهي ممن هاجر إلى الحبشة، تقول كما في صحيح البخاري: “كنا في أرض البُعَداء البُغَضاء بالحبشة”. فانظر في قول هذه الصحابية الجليلة! فأهل الحبشة مسالمون بل نفعوا أصحاب النبي، وفّروا لهم لجوءاً سياسياً في وقت الأزمة مع قريش، ومع ذلك تسميهم البغضاء، لماذا؟

لأن هذه الصحابية الجليلة استوعبت درس القرآن جيداً، وأن كل كافر هو قطعاً عدو لله، مبغوض له مهما كان، مسالماً عسكريا، ولما بعث نبي الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى اليهود لخرص الثمار، خافوا أن يظلمهم فقال لهم -كما عند أحمد بسند صحيح-: “يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم”. فهؤلاء كفار مسالمون وليسوا محاربين، ومع ذلك يستعلن رضى الله عنه ببغضه لهم. وأمثال هذه النماذج كثيرة في سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بغض الكافر حتى لو كان مسالماً.

ومن الطرائف أن بعض الناس لكى يتخلص من هذا الأصل الشرعي العظيم، صار يسلك استراتيجية إلصاق أحكام البراء بالوهابية، ويدعي أننا أسرى الفكر الوهابي، وأن مسألة بغض الكفار جميعاً إنما هي فكرة وهابية… إلخ، وهي حيلة ساذجة للتخلص من قاعدة شرعية، والواقع أن قاعدة البغض العقدي للكافر قد أطبقت عليها المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، وليس مسألة ابتكرتها “الدرر السنية”.

فقد قال السرخسي الحنفي: “وهكذا ينبغى لكل مسلم أن يكون في بغض اليهود بهذه الصفة”. وتعرض القرافي المالكي لبعض الأوامر الشرعية فقال: “حب المؤمنين وبغض الكافرين وتعظيم رب العالمين، وغير ذلك من المأمورات”. وقال ابن الحاج المالكي: “واجب على كل مسلم أن يبغض في الله مَن يكفر به”.

وقال الشيخ عليش المالكى: “نفوس المسلمين مجبولة على بغض الكافرين”. وفي أشهر متون الشافعية: “وتحرم مودة الكافر”. وقال العز بن عبد السلام الشافعي: “جنايته على أمر نفسه بالكفر أخرته وأوجبت بغضه”. بل هذا ابن سعدي الذي يحاول البعض تزوير صورته وأنه كان فقيهاً تغريبياً مبكراً يوضح التلازم بين الإيمان بالله وبغض الكفر فيقول: “الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين وعداوتهم”.

والمراد أن نصوص فقهاء المذاهب الأربعة لأهل السنة كثيرة في منع حب الكافر، فكيف يزعم البعض ويدعي أن وجوب بغض الكافر فكرة وُلدت في “الدرعية” وانتهت مع مؤتمرات حوار الأديان؟ أم أن أئمة المذاهب الأربعة في القرون الأربعة المتقدمة حفظوا في صغرهم “كشف الشبهات”؟ أم أرسلت إليهم نسَخ من “الدرر السنية”؟

وهؤلاء الذين يسعون لِلَبرلة الولاء والبراء يتمسكون ببعض التأويلات للنصوص والمفاهيم الشرعية، وسأناقش بعضها:

فأما قولهم: “إننا نقر أن الله أمر بمعاداة أعدائه؛ كقوله تعالى: “لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء” [الممتحنة:1] لكن هذه في المعتدي وليس كل الكفار أعداء الله”. فهل يقول هذا مَن قرأ كتاب الله؟ فكل كافر هو عدو لله أصلاً؛ كما قال تعالى: {فإن الله عدو للكافرين} [البقرة: 98]، وقال تعالى: {إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً}. [النساء: 101]

وأما قولهم: “إننا نقر أن الله نهى عن موالاة الكفار، لكن آيات النهي عن موالاة الكافر لا يلزم منها النهي عن حبهم والأمر ببغضهم؛ لأن الموالاة فيها قدر زائد على مجرد الحب والبغض وهي النصرة”. فالجواب أن الموالاة لفظ عام يشمل الحب والنصرة؛ فالحب موالاة والنصرة موالاة، والنهي عن العام يشمل جميع أفراده، ومن ظن أن الموالاة لا تكون إلا لما تركب منهما فقد خالف النص الذي منع الحب؛ كقوله” { هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ} [آل عمران: 119] وهي في المسالمين. وخالف إجماع الفقهاء على منع حب الكافر ومودته، فضلاً عن مخالفته لما حرره الفقهاء المحققون؛ كقول الإمام ابن تيمية: “وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة هو البغض”.

وأما قولهم: “إننا نقر أن الله نهى عن موادّة من يحادّ الله ورسوله، لكن المحادّ هو المحارب”. فهذا تحريف لكتاب الله، فإن الله تعالى قال: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 62-63] فهؤلاء الذين حلفوا لرسول الله ليسوا محاربين، ومع ذلك جعلهم الله محادين، ولما ذكر الله حدود الله في مطلع المجادلة قال: {إن الذين يُحادُّون الله} [المجادلة:5] ومعلوم أن انتهاك حدود الله ليس محاربة ومع ذلك جعله الله محاداة لله جل وعلا، فإن كان هؤلاء يجعلون المحادّة هي المحاربة فهذا باطل بكون الله في كتابه سمى ما دون المحاربه محادة، وإن كان هؤلاء يجعلون المحادة كل قول وفعل يسيء إلى الله وكتابه ونبيه وشريعته فلا يكاد يوجد كافر معاصر لا يسيء لأحكام الله في التعدد والقوامة والحجاب والقرار في البيوت والقتال… إلخ.

فهؤلاء يقولون لنا إن الموادّة المنهي عنها مخصوصة بالمحادة، فإذا قلنا لهم هؤلاء الذين يسيئون لأحكام الشرع من مستشرقين وسياسيين ومفكرين وعامةً في المجتمعات الكافرة لكنهم مسالمون غير محاربين، فهل يجوز مودتهم؟ عادوا وتناقضوا وقالوا نعم يجوز لأنهم غير محاربين! وتركوا علتهم الأولى وهي المحادة بمعنى الإساءة.

وليس مقصودنا هاهنا المرادفة بين الكفر والمحادة؛ فإن المحادة بلا شك قدر زائد على مجرد الكفر كما قرره ابن تيمية في الصارم المسلول، وإنما المراد أن المحادة أوسع من المقاتلة.

وأما احتجاجهم بترخيص الشارع في الزواج بالكتابية وأن هذا ينقض كل الآيات والأحاديث والآثار وإطباق المذاهب الأربعة.. فقائل هذا الكلام ليست إشكاليته إشكالية مسألة مفردة بعينها؛ بل لديه إشكالية منهجية، وهي ترك الأصول الظاهرة وتحويل الاستثناء والمحتمل إلى القاعدة.

والجواب من استدلالهم بأن الله أباح الزواج بالكتابية والزواج يفضي للمودة، أن يُقال المودة الحاصلة بالزواج بالكتابية هي أمر كوني قدري، وأمر الله ببغض الكافر أمر شرعي ديني، وأوامر الله الشرعية لا يعترض عليها بالأمور الكونية، والمحتج بذلك هو نظير من يقول إن الله خلق الخلق مختلفين ولن يزالوا كذلك فلا داعي للأمر بالجماعة والائتلاف، فأبطل أمر الله الشرعي بالأمر الكوني، أو كمن يقول إن الله قضى على العباد أن تقع منهم المعاصي وأخبر أن بني آدم مذنبون خطاؤون، وعليه فلا داعي لأن ننهى الناس عن المعاصي، فأبطل أمر الله بعدم معصيته بناء على الأمر الكوني من وقوع المعاصي، وهكذا، فكيف يعترض على أمر الله ببغض الكفار بأمر كوني قدري وهو وقوع المتزوج في حب زوجته؟

ثم إنه لا يمتنع أن تكون بين الزوجين عداوة دينية؛ كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ } [التغابن: 14] فالله أثبت احتمال قيام العداوة الدينية بين الزوج والزوجة؛ فلا أدري لماذا يأخذون آية { خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ } [الروم:21] والتي تتحدث عن المودة القدرية الكونية ولا يضعون معها هذه الآية (التغابن 14)؟ والتى تثبت احتمال قيام العدواة الدينية؟

ثم إن المودة التي ذكرها الله بين الزوجين لا يلزم منها أن تكون دوماً هي الحب؛ بل قد يكون المراد بها الصلة والإحسان؛ كما قال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يطلب أن يتحاب مع كفار قريش، وإنما كما في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال: “إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة”.

ثم إن ما يجده الإنسان في نفسه من الولاء والحب لوالده وشقيقه، أعظم مما يجده من الولاء لزوجته، ومع ذلك قطع الله موالاة الأب الكافر المسالم والشقيق الكافر المسالم؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] ثم إن أهل العلم بيّنوا أن مورد الأمرين مختلف أصلاً؛ فبغض الكافر المسالم وعداوته القلبية هي بغض وعداوة قلبيه دينية، أما المودة التي تقع بين الزوج والزوجة فهذه مودة غريزية فطرية، ولا يمتنع أن يجتمع في الشخص الواحد الأمران.

[يتبع العدد القادم (التحرير)] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ننشر هذا المقالة للباحث إبراهيم السكران – المعتقل ظلماً بالسعودية – وهي مقتطفة من كتابه: سلطة الثقافة الغالبة، ص194 وما بعدها، ط: دار الحضارة، ط1، الرياض، 1435.

(المصدر: مجلة “كلمة حق”)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق