كتاباتكتابات مختارة

معركة «ميريوكيفالون»: صفحة مجهولة أضاءت تاريخ السلاجقة

معركة «ميريوكيفالون»: صفحة مجهولة أضاءت تاريخ السلاجقة

بقلم محمد المصري

اختلفت السنوات وتشابهت الآثار، ففي عام 463 هــ كانت معركة «ملاذكرد» الشهيرة والتي انتصر فيها السلطان «ألب أرسلان» على الإمبراطور البيزنطي «رومانوس الرابع»، وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي يُأسَر فيها إمبراطور بيزنطي، لنرى في عام 571هــ وبعد مرور قرن من الزمان انتصارًا عظيمًا للدولة السلجوقية العظيمة (سلاجقة الروم) على هذه الإمبراطورية التي لم تفق من كارثة «ملاذكرد» إلا منذ ربع قرن.

كان ذلك حين تولى الإمبراطور «ألكسيوس كومنين» الحكم، والذي حاول جاهدًا إعادة بناء الإمبراطورية والقضاء على الحرب الأهلية والصراعات الداخلية في الدولة، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فيأتي السلطان «قلج أرسلان الثاني» ليهدم كل ما بناه «ألكسيوس» وأبناؤه من بعده، فينتصر على الإمبراطور «مانويل كومنين» في معركة «ميريوكيفالون».

معركة ميريوكيفالون, تاريخ, السلاجقة


مقدمات

كان عام 537 هــ بداية الأحداث حينما توفي أمير سيواس الأمير «أبو المظفر محمد الدانشمندي»، وانقسمت الإمارة الدانشمندية إلى إمارتين الأولى في سيواس يحكمها «ياغي أرسلان»، والثانية في ملطية يحكمها «عين الدولة»، الذي ظل في ملطية حتى وفاته عام 545 هــ تاركًا الإمارة لولي عهده «ذي القرنين»، الذي لم يكن على المستوى المطلوب في الإدارة كوالده.

فأعلن تبعيته للسلطان السلجوقي «مسعود الأول»، وظل تابعًا لسلطان قونية حتى وفاته عام 556 هــ، لكن الأمر في ملطية لم يدم طويلًا، فأمير سيواس «ياغي أرسلان» لم يرض بالأمير الصغير «ناصر الدين محمد» حاكمًا على ملطية، فاجتاحها بجيشه، وأعلن وصايته على الأمير الصغير.

غضب قلج أرسلان سلطان قونية (سلطان السلاجقة بعد مسعود الأول) فسارع إلى ملطية وضرب عليها الحصار، ولكي يصرف ياغي أرسلان نظر السلطان عن ملطية ضرب الأول الحصار على مدينة البستان واستولى عليها، وفي نفس الأثناء استولى «نور الدين محمود» سلطان الشام على أربع مدن من أملاك السلاجقة:

كيسوم ورعبان ومرعش وبهسنا، ووردت أنباء عن إعداد الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين حملته الثانية على أرض آسيا الصغرى، فمال قلج أرسلان إلى طلب الصلح من الجانب الإسلامي، فصالح نور الدين محمود فانسحب الأخير من المدن المذكورة، وصالح ياغي أرسلان مقابل التنازل له عن مدينة البستان، وبهذا أغلق كل الجبهات الإسلامية ليتفرغ للبيزنطيين.


حملات «كومنين» وذكاء «قلج أرسلان»

في عام 554 هــ كانت حملة مانويل على بلاد الشام، وفي أثناء عودته نصبت له السلاجقة الكمائن، وكبدته خسائر فادحة في الأموال والأنفس والثمرات، فعاد إلى القسطنطينية غاضبًا وقد أقسم على تأديب قلج أرسلان، فأعدّ جيشه وغادر عاصمته متجهًا إلى الأناضول، وبعد بعض المعارك عاد إلى القسطنطينية بسبب مرض زوجته والتي ما لبثت أن توفيت.

نعود إلى حملة مانويل الثانية والتي كانت في عام 556 هــ، حيث هاجم كومنين أملاك السلاجقة في آسيا الصغرى، واستطاع هزيمة السلاجقة واستولى على بعض القلاع والحصون، وهنا كان لابد من طلب الصلح الذي مال إليه قلج أرسلان، إلا أن مانويل رفض واستولى على بعض المدن، وظل في حملته هذه حتى أواخر عام 557 هــ حين حاول قلج أرسلان طلب الصلح مجددًا ووافق الإمبراطور البيزنطي هذه المرة، واشترط عليه شروطًا قاسية في معاهدة 558 هــ. وكانت بنودها:

احترام الحدود الفاصلة بين الدولتين، وأن يخصص سلطان السلاجقة فرقًا عسكرية تجوب مناطق الحدود لوقف اعتداءات القبائل التركمانية على أراضي بيزنطة، أما الشرط الثالث وكان مجحفًا للغاية فهو أن يزور قلج أرسلان القسطنطينية مرة في كل عام، وهذا لكي يظهر للعالم تبعيته للإمبراطورية البيزنطية.

وافق قلج أرسلان على الشروط وبالفعل زار القسطنطينية في ربيع 558هــ وظل هناك ثمانين يومًا، وهنا كان ذكاؤه ظاهرًا حين استطاع في زيارته الوقوف على ما يحاك ضده من مؤمرات تهدف إلى خلعه عن السلطنة، اشترك فيها كل من الإمبراطور وأمير سيواس ياغي أرسلان والمرشح للسلطنة «شاهنشاه بن مسعود الأول»، وبعد عودته ظلت العلاقات ودية ظاهرية، واتجه مانويل كومنين إلى مشاكله في أوروبا وظل مدة اثني عشر عامًا لم ينظر إلى آسيا الصغرى ولم يتدخل في سياستها مطلقًا، مما أثبت قصر نظر الإمبراطور، الذي مهد لقلج أرسلان بسياسته تلك، توحيد آسيا الصغرى تحت حكم السلاجقة والقضاء على الإمارات التركمانية المستقلة ليكون بذلك جبهة قوية متماسكة تقف في وجه بيزنطة وتدخلاتها.

وظل الأمر كذلك حتى عام 568هــ حين بدا التوتر بين الطرفين يلوح في الأفق، عندما تحالف قلج أرسلان مع نور الدين محمود وظن مانويل أن هذا التحالف موجه ضده ولكنه لم يستطع فعل شيء بسبب مشاكله في أوروبا، وبوفاة نور الدين في العام التالي انتهى التحالف وعادت العلاقات كما كانت، ويشاء السميع العليم ألا يظل الأمر هكذا فنرى في العام التالي أيضًا عام 570 هـ زيادة حدة التوتر بين الطرفين مرة أخرى، ويرجع هذا التوتر إلى عوامل خاصة بالسلاجقة وهي:

استيلاء قلج أرسلان على إمارة ملطية، وتحالفه مع «فريدرك بربروسا» إمبراطور ألمانيا والذي كانت بينه وبين مانويل صراعات طويلة، أما العامل الثالث فهو التجاء «ذي النون» (أمير سيواس) وشاهنشاه إلى مانويل، وهناك عوامل خاصة بالبيزنطيين نستطيع أن نجملها في عاملين رئيسيين وهما: مساعدته لشاهنشاه وذي النون لكي يعودا إلى الأناضول، وتحصينه مدن الحدود.


بداية الصراع وتصعيده

أراد مانويل أن يستفز قلج أرسلان فأرسل إليه يطلب منه تسليم القلاع والحصون التي نصت عليها معاهدة 558 هـ، فوافق الأخير وطلب منه أن يرسل مندوبًا عنه ليتسلم المدن، وفي نفس الوقت كان قد أرسل أرسلان إلى أهالي تلك المدن يعدهم بحمايتهم من الروم وإعفائهم من الضرائب مقابل رفضهم العودة إلى حكم الروم، وكان مانويل قد أرسل قائده «ألكسيوس أوف أوليس» بستة آلاف جندي ليتسلم المدن وحين وصل تفاجأ برفض الناس وأبلغ مليكه بذلك، فظن مانويل أنها خديعة وجهز جيشه لمحاربة قلج أرسلان.

أرسل مانويل شاهنشاه ثم أمدّه بقائده «غابراس» إلى أماسية للسيطرة عليها، إلا أن أرسلان أراد الانتصار على كل منهما بمفرده قبل اجتماعهما فانتصر على شاهنشاه أولًا ثم غابراس، واستطاع الأخير الفرار إلى دوريليوم. استشاط مانويل غضبًا مما حدث فقام ببناء سد دفاعي على الحدود من خلال تحصين المدن، وأرسل إلى البابا «إسكندر الثالث» للدعوة إلى حرب صليبية جديدة، فتجمع لدى مانويل في دوريليوم مائة ألف من البيزنطيين والصليبيين والمجريين والصربيين والإنكليز في أواخر عام 571 هـ.

تقدم مانويل بجيشه حتى وصل إلى لوباديوم، وعندها قسم الجيش قسمين؛ القسم الأول جعله تحت قيادة «أندرونيكوس فاتازس» ومعه «ذي النون الدانشمندي» مكون من ثلاثين ألفًا، واتجه إلى نكسار لوجود عدد كبير من الدانشمندين فيها وضرب الحصار عليها، إلا أن قائد الحامية كان ذكيًا فأرسل رسالة إلى فاتازس يخبره بخيانة ذي النون له ونيته تسليمه إلى السلطان، وقام أيضًا بإشاعة وفاة الإمبراطور، فانسحب الجيش من أمام نكسار في فوضى شديدة وطاردته الحامية السلجوقية واستطاعت قتله وحملت رأسه إلى السلطان.

أما القسم الثاني فكان بقيادة مانويل كومنين، حين علم بهزيمة جيشه عند نكسار ظن أن القوة السلجوقية ما زالت في الشمال وأن العاصمة خالية من الجند، فتحرك بسرعة دون أن يسلك طريق الوصول إلى قونية الطبيعي، فاتجه إلى لذيق ومنها إلى سوبلايون ثم جبال السلطان ، وبين هذه الجبال يوجد ممر ضيق طوله عشرة أميال في نهايته حصن ميريوكيفالون الخرب المواجه لقونية مباشرة.


تسرع الإمبراطور وهلاك جيشه

ارتكب الإمبراطور خطأين: الأول عدم استكشاف المنطقة، والثاني رفضه نصيحة قادته بالتروي وعدم سلوك الممر الجبلي. كان قلج أرسلان يرصد تحركات أعدائه، واتبع خطة البدو فدمر الطرق التي سيجتازها الجيش وأحرق المحاصيل وردم الآبار وأتلف المؤن فحرم أعداءه من التموين والماء والاستراحة

كذلك وزع قواته على المرتفعات والتلال، وكانت خطته في عدم تعرض السلاجقة لهم سوى ببعض المناوشات والانسحاب في خطة عسكرية لإغراء مانويل بالدخول في الممر، ونجحت خطته فتوهم مانويل بعدم قدرة السلاجقة على خوض المعركة فتمادى في التوغل.

في هذه الأثناء ضربت السلاجقة مقدمة الجيش وقتلت الثيران (التي كانت تجر آلات الحصار) وكذلك المؤخرة أيضًا، فَشُلتَ حركة الجيش تمامًا وتكدس الممر بهم، وكان قبل هذا حاولت القوات صعود التلال بسرعة فتحرك الغبار، ففقدت بذلك عاملي الرؤية والحركة وهما من أهم عوامل الانتصار.

حاول مانويل رفع معنويات جيشه فأرسل «بلدوين» الأنطاكية بقوة صغيرة إلى التلال، ولكن السلاجقة هزمتهم وقتلت بلدوين ووضعت رأسه على رمح وطافت به على طول الممر فانخفضت معنويات الجيش أكثر، ثم نزلت القوات السلجوقية إلى الممر وسحقت الجيش البيزنطي وقضت عليه تمامًا.

استطاع مانويل الهرب من أرض المعركة، وطلب الصلح من السلطان فوافق مقابل شرطين: أن يبادر مانويل بالانسحاب من الأناضول، وتدمير تحصينات دوريليوم وسوبلايون.


نتائج «ميريوكيفالون» وسقوط هيبة الإمبراطورية البيزنطية

كان الاعتقاد السائد بعد المعركة أن السلطان سيتجه ناحية الغرب إلى القسطنطينة ومحاولة فتحها، لكنه فَضَّل الاستيلاء على بلاد الجزيرة والشام. أما على الصعيد الآخر فإن مانويل أرسل إلى البابا وملوك أوروبا يحاول التقليل من شأن المعركة ويعقد مقارنات بينها وبين «ملاذكرد» وأنه أفضل من سلفه رومانوس الرابع.

من أبرز نتائج «ميريوكيفالون» أن سقطت هيبة الإمبراطورية البيزنطية ودخولها في فترة من الصراعات والحروب الأهلية لم تنته إلا باحتلال اللاتين للقسطنطينية في الحملة الصليبية الرابعة، وكان قد دمر الجيش البيزنطي تمامًا في ميريوكيفالون، وقضت كذلك على سياسة البيزنطيين تجاه السلاجقة.

دلل قلج أرسلان على إيمانه الشديد – وكان قد اتُهِمَ باعتقاده مذهب الفلاسفة – وأنه السلطان المجاهد حامي حمى الإسلام.

(المصدر: موقع “إضاءات”)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق