كتاباتكتابات مختارة

ستنهار أميركا في ساعة!

بقلم محمد جلال القصاص 

لم يحدث أن وضعت الحرب أوزارها بين الغربيين إلا هذه الأيام، بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يحدث أن تمددوا وسيطروا على موارد وأسواق العالم كما هو حاصل الآن، ولم يحدث أن استقبل الناس ثقافتهم وتفاخروا بها كما هو حاصل الآن. ولذا تجرأ بعضهم على القول بأن النموذج الغربي المعاصر هو “نهاية التاريخ”، بمعنى أنهم قد استقروا على ظهر الأيام ولن تنقلب بهم وتأتي بغيرهم. ويثور سؤال: هل حقًا ما يقول هؤلاء؟ هل حقًا النموذج الغربي هو نهاية التاريخ؟ هل حقًا الغرب بقيادة الولايات المتحدة باقٍ ويتمدد؟ زاوية الرؤية تحدد بنسبة كبيرة الشكل الذي تراه، فمن ينظر لعمارة كبيرة وهو تحتها ليس كمن ينظر إليها من طائرة، ولذا؛ عليك أن تعرف جيدًا أين تقف، أو أين يقف من يحلل المشهد، حتى لا تُكبِّر صغيرًا أو تصغِّر كبيرًا!

ولن أقدم إجابة من مدخلٍ ديني باستحضار ما قد تواتر في كتاب الله من أن الله قد كتب الذل على الكفر وأهله، وتوعد الكافرين بالانتقام في الحياة الدنيا والعذاب في الآخرة، ووعد المؤمنين بالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة، “إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ” (المجادلة: 20)، “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ” (الروم: 47)، “إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ”(غافر:51)، “تِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا” (الكهف: آية 59). “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ” (الفجر:7-14).

سأحاول الاقتراب من مدخلٍ آخر، يتعلق بالآلية التي يدار بها النظام العالمي الآن، وهي آلية الاعتماد المتبادل المعقد، بمعنى أن الكل يعتمد على الكل، واعتمادًا معقّدًا يصعب فكه، فلا يستطيع فاعل دولي: دولة، أو حلف دولي، أو شركة عالمية، أن يعمل منفردًا، أو يتواجد في بقعة من الأرض دون غيرها. فالموارد المادية والبشرية في ناحية، والتقدم التكنولوجي في ناحية، والسوق الاستهلاكية في ناحية، والكل يحتاج للحركة في جنبات المعمورة آمنًا مطمئنًا. ومنذ اضطر الغرب لهذه الآلية رغمًا عنه، وذلك بعد التطور التكنولوجي وظهور الشركات الدولية العابرة للقوميات والتطور في وسائل الاتصال والمواصلات، تحرك لإيجاد مجتمع عالمي واحد، يخضع لقوة واحدة مهيمنة “الولايات المتحدة وحلفاؤها”، وفلسفة حكم واحدة “الديمقراطية”، وآلية حكم واحدة “الدولة القومية”، وأعراف دولية واحدة معالمها فيما استقر من قواعد القانون الدولي “القواعد العرفية”.

ويتحركون الآن لأن يصبح العالم قرية واحدة في رؤيته وتفكيره ومفردات عمله. هذا هو المشهد العام الذي يتبلور في الأفق، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتوغل النموذج الغربي شرقًا في أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق والصين، وتمكنه من اليابان وكوريا الجنوبية والهند، وغيرهم، ولكن هذا المشهد ينطوي على آفة تجعله قابلًا للانهيار في ساعة من نهار، وليس فقط ينهار بل يستدير على بعضه ويمزق بعضه بعضًا. هذا الشيء هو خروج جزء من العالم من منظومة الاعتماد الدولي المتبادل هذه، وخاصة المنطقة العربية لتوسطها جغرافيًا. ببساطة ستتوقف آلية الاعتماد المتبادل المعقد، وستجد كل بقعة من العالم “إقليم” نفسها في حالة من العوز.

ستتوقف حركة النقل: صاحب الموارد يحتاج من يأخذ منه المواد الخام ويعطيه مالًا أو سلعًا مصنعة، وصاحب السلع المصنعة يحتاج الموارد لمزيد من التصنيع ويحتاج السوق لبيع بضاعته. وستضطر كل منطقة لأن تكتفي بإمكاناتها الذاتية، ومن لا يستطيع الاكتفاء بنفسه سيقاتل غيره، فضلًا عن أن عداوات الدول القومية ستثور، وتظهر أطر أخرى قبلية ودينية وعرقية. نعم خروج جزء من العالم من المنظومة الدولية كفيل بأن ينهي هذه الضوضاء التي أشعلها الغرب بثقافته الاستهلاكية التي تستهدف جمع القوة في جهة واحدة “الشمال الغربي”.

والنموذج الإسلامي تحديدًا لا غيره يستطيع فعل ذلك، لا لأنه يمتلك رؤية كلية مخالفة فقط، فكثيرون يمتلكون رؤى مخالفة، وإنما مكمن القوة في النموذج الإسلامي؛ يتمثل في أنه يبني أمة كالبنيان المرصوص، ولا يربط بين الناس والأرض التي يعيشون عليها، فالإسلام يصنع كتلة متماسكة مرتبطة بعقيدتها لا بالأرض التي تعيش عليها، ولا بالقبيلة التي ينتسب الناس إليها، ويأمر الجميع بالدعوة إلى الله؛ بمعنى أن هذه الأمة لا تستكين للأرض، بل تنتشر دعوةً إلى الله. وفي النموذج المثالي لهذه الأمة، وصل الأوائل وهم حفاة عراة إلى الصين شرقًا، وروسيا شمالًا، وجنوب فرنسا غربًا.

تكونت كتلة صلبة متماسكة من داخلها، وتهاجم غيرها بلسانها ويدها.. تدعو إلى الله وتزيح العقبات التي تقف في طريقها حال الدعوة إلى الله. فالنموذج الإسلامي ينمو “كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار” (محمد: آية29). والقول بأن التمدد يزيد من التكاليف على حساب الواردات، بمعنى أن هذا التوسع يثقلهم بنفقاتٍ قد تضطرهم للتراجع، والانكماش غير صحيح ولا يصلح لتفسير انهيار الإمبراطوريات كما هو شائع؛ فهؤلاء يربحون من كل شيء، خربوا العراق واليمن والشام وليبيا.. بأموال ورجال غيرهم، إنهم يتاجرون في الحروب، إنها دولة الاستراتيجية.. تحقق أهدافها بإمكانات نفسها وغيرها؛ والإمبراطورية البريطانية لم تترهل ولم ترهقها التوسعات، بل أرهقتها الحرب العالمية الأولى، ثم قضت عليها الحرب العالمية الثانية.

وما تحاوله إيران وتركيا وروسيا ومن خلفهم الصين، يُقرأ في إطار المنافسة الاقتصادية والسياسة التي تستهدف إعادة التوازنات داخل النظام العالمي الحالي، ويصعب فهمه في إطار التغيرات الجذرية، فهؤلاء لا يقدمون بديلًا، فقط يسعون لتعديلٍ في أوضاع الفاعلين. وثمة ملاحظة أخرى نستطيع من خلالها التأكيد على أن فض النظام العالمي المعاصر متاحٌ جدًا هذه الأيام؛ وسر ذلك في فهم ظاهرة النظم السياسية البسيطة أو المعقدة، وأنها تمر بمرحلة فوضى أو “توتر” لتفكيك القديم وإعادة البناء، وهذه من المسلمات في دراسة الظواهر السياسية، والنظم في منطقتنا العربية تمر الآن بحالة فوضى تستهدف إعادة البناء؛ فلو وُجد من يمتلك رؤية واعية مخالفة، وأدواتٍ كافية، لاستطاع بسهولة إعادة البناء على غير ما يريد هؤلاء.

فهم يعتمدون على الرؤية والأدوات، ويمرون بمراحل متعثرة في التنفيذ. فلو صادف إعادة البناء وجود منافس لاستطاع الحيلولة بينهم وبين ما يشتهون. ومثال ذلك في الفترة الزمنية التي تلت ثورات الربيع العربي وصعد فيها الإسلاميون للحكم؛ فقد كانت فرصة سانحة لإعادة الترتيب على غير ما يريدون، ولكن الفرصة حين تأتي لا يستفيد منها إلا من قد تجهز لها، ولم تجد من قد تجهز. وأرجو التفرقة بين المنافس الفعلي، ومن يرغب في المنافسة وحاله أنه داعم للمنظومة المعادية، موظفٌ عندها. ولا يمكن الاستعداد تحت عدوٍ يقظٍ كهذا إلا بمظلة من التقية، والله يقول: “إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً” (آل عمران: 28).

(المصدر: مدونات الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق