كتاباتكتابات مختارة

حماس ومراحل الانفكاك عن فتاوى السلفية

حماس ومراحل الانفكاك عن فتاوى السلفية

بقلم سري سمور

العائدون من السعودية وتلامذة د.عبد الله عزام العائدون من الأردن بحكم مواقعهم في الحركة الوليدة(حماس) وما قلته في المقال السابق(هل تعاني حماس من أزمة فقهية ومشكلة تأصيل شرعي معتمد؟) حول تراجع دور وتأثير الأزهر ومدارس ومعاهد وجامعات سورية الشرعية، وتمدد وانتشار التيار السلفي بمساعدة إخوانية واضحة، جعل الفقه الغالب سلفي عموما على الحركة وطريقة استنباط الأحكام الشرعية، ولفترة طويلة غلب على كليات الشريعة في الجامعات الفلسطينية تأثر بالسلفية واختيارات ابن تيمية الفقهية، بحيث صار رأي ابن تيمية حاكما على الآراء الأخرى بمرور الوقت، وكان غالبية الطلبة من الإخوان(لاحقا حماس) أو المؤيدين والمناصرين، وهؤلاء منهم سيكون معلمو التربية الإسلامية وأئمة المساجد بطبيعة الحال، وهم الذين سيسألهم الناس عن أحكام دينهم، ويستفتيهم أبناء حركتهم بطبيعة الحال.

السلفية تصطدم بالواقع الفلسطيني

وصار السمت العام للقادة والعناصر والكوادر الحمساويين سلفي عموما، أو مجامل ومداهن للسلفية إلى حد كبير؛ ولكن طبيعة الظرف الموضوعي الفلسطيني لا تسمح بتبني كامل الآراء والاختيارات الفقهية للسلفيين والوهابيين، وهذا ما أدركه حتى غلاة المتأثرين بالتيار السلفي من قادة وكوادر حماس، حينما انخرطوا في العمل النضالي الفلسطيني، لأن العمل النضالي الفلسطيني فيه نوع من الجماهيرية، والتفاعل الشعبي الضروري، وهو ما تتحفظ عليه السلفية التي تميل إلى الانغلاق والتقوقع؛ ورفض أي جديد من باب درء الفتنة وغيرها، ولكن طبيعة القضية الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني وما مرّ ويمر به يحتاج إلى تجديد دائم، فكان هناك نوع من إزاحة السلفية عن قضايا جماهيرية والإبقاء على العلاقة معها في مسائل أخرى ومسلكيات فردية وشعائرية.

بعض جوانب التأثر بالسلفية

كان هناك أخذ برأي السلفية في بعض الأمور، أو لنقل بالآراء التي فيها تشدد؛ فمثلا كان النشيد الإسلامي، يخلو من استخدام الآلات الموسيقية كالعود والكمان والأورغ ويقتصر على الدف، ولاحقا صارت الفرق الإسلامية، وهي فرق محسوبة على حماس أو تابعة مباشرة لها، أو تناصرها وتبث عبر نشيدها أفكارها، تستخدم جهازا إلكترونيا مزودا بإيقاعات جاهزة، وبخصوص النقاب للمرأة فهو لم ينتشر كثيرا في أوساط نساء حماس، ولكنه كان موجودا نظرا لأنه أصلا محل خلاف حتى داخل المدرسة السلفية.

وكانت الفرق الرياضية المقربة من حماس، تلتزم لباسا لا يظهر ما فوق الركبة للشباب…وفي موضوع اللحية فإن إعفاءها لم يعد فقط حكما فقهيا؛ فثمة مخاطر أمنية كانت موجودة في الانتفاضة الأولى؛ بل قيل أن مسيحيين فلسطينيين تعرضوا للضرب والتعنيف على حواجز عسكرية إسرائيلية لأنهم ملتحين ظنا من الجنود أنهم ينتمون إلى حماس..وبالتالي فإن الصورة النمطية عن الحمساويين التي دأبت بعض (الميديا) على ترويجها حمقاء للغاية، فثمة حمساوي ملتح وآخر حليق الذقن…ولكن إجمالا فإن الحمساويين لا يقصون شعورهم بطرق غريبة، أو بما هو منهي عنه في الحديث أي القزع.

أما بخصوص العبادات فقد التزم عناصر وكوادر الحركة عموما بما هو سائد وبدأوا تدريجيا بإدخال اختيارات فقهية حسب دراساتهم إلى المساجد، ولو بحذر شديد، وخاصة أن كل منطقة فلسطينية تقلد مذهبا معينا، والقادم من كلية شريعة ليؤم الناس وهو مشبع برأي قد يخالف ما اعتادوا عليه سيصطدم بهم، حتى لو قدم لهم الدليل.

التدخين عدو مبين

وكان التدخين أمرا مرفوضا ومنبوذا وقلما تجد حمساويا مدخنا، وإذا وجد قلما يصعد في سلم الحركة القيادي، فقد نظر إلى التدخين من زاوية الضرر المحرم شرعا بالصحة، ومن زاوية إضاعة وهدر المال، ومن زاوية أمنية، مخافة أن يجرّ التدخين إلى ما لا خلاف في حرمته أي المخدرات، أو أن يخضع المدخن لابتزاز محققي الشاباك عند اعتقاله…وحتى اللحظة فإن معتقلي حماس المدخنون في السجون الإسرائيلية عليهم قيود من التنظيم داخلها؛ فيمنع التدخين إلا في ساعات معينة وعلى الشبابيك فقط، مع التضييق بالنصح والوعظ على المدخنين لدفعهم إلى تركه، وهذا أحيانا جعل بعضهم يعيشون في السجون مع أبناء تنظيمات أخرى…وإجمالا فإن (بعض) الوعاظ والدعاة المحسوبين على حماس كانوا وما زالوا يبالغون في التشنيع على المدخنين ويعطون المسألة مساحة أكبر مما يعطون لأي مسالة أخرى، وتستوحي من كثرة تركيزهم عليها أن المدخنين هم سبب تأخر تحرير فلسطين!

التلفزيون.. المفسديون

وبخصوص المرئيات فلم يكن هناك سوى محطات تلفزة محدودة أبرزها التلفزيون الإسرائيلي، وكان من أهم مصادر الأخبار، وكان هناك التلفزيون الأردني الذي يلتقط بثه أهالي شمال الضفة الغربية ووسطها ولا يكاد يظهر عند أهالي جنوبها (الخليل) الذين كانوا هم وسكان غزة يلتقطون بث التلفزيون المصري، وكان شمال الضفة يلتقط بث تلفزيون سورية. وبحكم واقع الانتفاضة فقد أغلقت دور السينما التي كان بعضها قبل الانتفاضة يعرض أفلاما خليعة، وكان هناك محلات تأجير لأشرطة فيديو تحوي أفلاما هندية وعربية وأفلام كاراتيه، وفي السرّ كان يجري على نطاق ضيق ترويج أشرطة تحوي أفلاما إباحية.

طبعا لا جدل بأن حماس عبر منابرها ووعاظها حرّمت مشاهدة الأفلام الإباحية قطعيا، ولكن ماذا عن الأفلام العربية التي فيها مشاهد شبه إباحية وإيحاءات جنسية واضحة؟ وماذا عن المسلسلات والأغاني العربية للمطربين والمطربات؟ حقيقة حماس لم تشغل نفسها عبر البيانات وحديث قادتها للإعلام بهذه المسائل، ولكن هناك الثقافة الداخلية، والتوجيه والوعظ الذي تتسم به أي حركة، وتزرعه في عناصرها وتروجه بطرق مختلفة في مجتمعها.

كان الوعظ تأنيبيا ويرى أن التلفزيون مفسدة، وخاصة في شهر رمضان المبارك، حيث تظهر مجلة حائط تظهر شاشة التلفزيون كوجه شيطان واسمه (مفسديون) وضرره على المجتمع في شهر رمضان، وكان هناك ترويج للفتاوى التي تقول بحرمة الموسيقا وغناء المرأة وحدها، وهذا تسرب للمتدينين من خارج أوساط حماس، بل حتى من يكرهونها!

ولكن كيف يمكن لحماس أن تراقب سلوك عناصرها في بيوتهم؟ هذا غير ممكن طبعا، ولكنها بالوعظ القائم على خلق شعور بالذنب تحدّ وتضبط الأمور؛ ولكن هناك السجون وسكنات الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي للحركة، حيث أنه حتى الآن في السجون إذا ظهرت مذيعة في قناة عربية ترتدي ما يكشف بعض أجزاء من جسدها يتم تغطية الشاشة…وهنا يتداخل الفقهي بالأمني، فقد يكون المبرر إبعاد شباب في فورة وعنفوان عما قد يستغله العدو لإيقاعهم في وحل العمالة، وليس لأن الأمر حرام بالمطلق.

ولكن في الفترة حتى منتصف التسعينيات كان سماع الغناء ممنوعا في أي تجمع للكتلة الإسلامية، والغناء لا علاقة له بالحرب مع العدو، بل كان بعض عناصر حماس يتجرؤون إذا ركبوا وسيلة نقل عامة وكان هناك أغنية في مذياع ويطلبون إما خفض الصوت أو إغلاقه ولدى بعضهم استعداد للشجار لهذا السبب…ثم توقف التشدد تجاه الأغاني ولهذا حديث آخر.

عموما خضعت الاختيارات الفقهية التي ألزمت حماس بها عناصرها وروجتها في المجتمع لعوامل عدة أبرزها طبيعة الممسكين بالنشاط الوعظي والتثقيفي وما تشربوه من أفكار وآراء بحسب بيئاتهم، ولهذا قد تجد تساهلا في منطقة تجاه مسألة ما، ولكنك قد تجد تشددا تجاه نفس المسألة في منطقة أخرى، مع بقاء ثوابت معينة…على كل سأتحدث أكثر بمشيئة الله عن محاور أخرى في هذا الموضوع في المقال القادم.

(المصدر: مدونات الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق