كتابات مختارة

حديث: والله لأن يلجَّ أحدكم بيمينه في أهله

بقلم الشيخ عبدالرحمن بن فهد الودعان الدوسري

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لأن يَلِجَّ[1] أحدكم بيمنيه في أهله، آثَمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه))؛ متفق عليه[2].

يتعلق بهذا الحديث فوائد:

الفائدة الأولى: كفارة اليمين التي افترضها الله تعالى هي: إطعام عشَرة مساكين من أوسط الطعام، ويجزئ لكل مسكين كيلو ونصف من الأرز، أو كسوتهم، لكل واحد لباسٌ يستر عورته في الصلاة، أو تحرير رقبة، فمن عجز عن هذه الثلاث، صام ثلاثة أيام، والأفضل في صيام هذه الأيام أن تكون متتابعة، ولا يجب التتابع على الصحيح من قولي أهل العلم، وهو اختيار اللجنة الدائمة للإفتاء[3]، والدليل على الكفارة قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾ [المائدة: 89]، ولا يجوز تقديم الصيام مع القدرة على الإطعام أو الكسوة، فما يفعله كثير من الناس من الابتداء بالصيام مع القدرة على الإطعام أو الكسوة لا يجزئ عن الكفارة، ومن فعل ذلك وجب عليه دفع الكفارة، وكان صيامه تطوعًا.

الفائدة الثانية: من شروط لزوم اليمين والكفارة عند الحنث فيه: أن يتكلم الإنسان باليمين، وسواء في ذلك أسمعه الآخرون أم لم يسمعوه، فإنه يلزمه حكم اليمين، وأما من حلف في نفسه أو نذر في نفسه ولم يتكلم به، فلا شيء عليه، والدليل على ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلَّم))؛ رواه البخاري[4].

الفائدة الثالثة: من استثنى في يمينه فحنث فيها، فلا كفارة عليه، والاستثناء في اليمين هو: أن يقول: سأفعل كذا إن شاء الله، أو لن أفعل كذا إلا أن يشاء الله، فمن استثنى في يمينه لم تلزمه اليمين ولا كفارتها، والدليل على ذلك: قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴾ [الكهف: 23، 24]، فهاتان الآيتان تدلان على مشروعية الاستثناء في اليمين لمن حلف على أمر في المستقبل، وأنه أفضل من عدم الاستثناء؛ وذلك لأن في الاستثناء تعليقًا للأمر بمشيئة الله تعالى، واعتمادًا عليه في الأمر كله.

———————————–

[1] قال الحافظ: يلج بكسر اللام ويجوز فتحها، من اللَّجاج، وهو أن يتمادى في الأمر، ولو تبين له خطؤه؛ (فتح الباري 11/ 519)، وتقدم معنى الحديث في الحديث رقم (39)، وإنما سقته هنا لأجل ذكر الكفارة.

[2]رواه البخاري في أول كتاب الأيمان والنذور 6/ 2444 (6250)، ومسلم في كتاب الأيمان، باب النهي عن الإصرار على اليمين فيما يتأذى به أهل الحالف مما ليس بحرام 3/ 1276 (1655).

[3]ينظر: فتاوى اللجنة الدائمة 23/ 22، 23، 61، 31، 67، 68، 70، 71، 255.

[4]رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان 6/ 2454 (6287).

المصدر: شبكة الألوكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق