متابعات

بيان علماء موريتانيا بشأن التطبيع مع اليهود

بيان علماء موريتانيا بشأن التطبيع مع اليهود

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

أصدر 200 من العلماء والأئمة الموريتانيين قبل أيام فتوى تحرم التطبيع مع اليهود، وتعتبر العلاقات مع ما أطلقوا عليه: الكيان الغاصب لأرض فلسطين والمحتل لبيت المقدس وأكنافه.. حرامًا ولا تجوز بأي حال..

وأكَّد الموقِّعون على الفتوى في ندوة نظموها بجامع التوفيق بنواكشوط على ما يلي:

  1. أنَّ التطبيع مساندة ودعم كامل للصهاينة الغاصبين على كافة ما يقومون به من حصار وقتل وتدمير ولا يمت إلى الصلح بصلة..
  2. التطبيع حرام من أعظم المحرمات.
  3. واقع التطبيع موالاة، وموادَّة، وتحالف مع العدو، وتعاون معه في مجالات مختلفة ضد الإسلام والمسلمين.
  4. ودعا العلماء حكومة بلادهم إلى الالتزام بما سبق أنْ أعلنت من أنها لا تعتزم التطبيع مع إسرائيل.

وكان من أبرز الموقعين على الفتوى: العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو رئيس مركز تكوين العلماء بموريتانيا..

ومن الجدير ذكره أنَّ موريتانيا قطعت علاقاتها مع اليهود عام 2009م؛ أثناء الحرب على غزة.. وتُشيع الصحف والمواقع اليهودية والأمريكية -ومن تبعهم- أنَّ موريتانيا -وكذا إندونيسيا- من الدول التي تعتزم الالتحاق بخزي التطبيع العلني مع اليهود بعد تطبيع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب حديثًا..

والضغوط التي تمارس دوليًّا على تلك الدول الضعيفة ليست بالهينة، وها هي الدول الـمُطَبعة تُسارع إلى بذل ما يمكنها من فتح أبواب السياحة والتجارة وغيرها، والتعاون مع اليهود بصورة مبتذلة..

وكان آخر تلك الظاهرة: قانون جديد للجنسية؛ يفتح الباب لليهود للتجنس بجنسية عربية إسلامية بحجة أنهم من ذوي المهن المطلوبة، مثل الأطباء والعلماء والفنانين والمفكرين -بزعمهم- من أي مكان في العالم، كما يمكنهم الاحتفاظ بجنسيتهم الأصلية، وهذا باب مفتوح على مصراعيه لتجنس اليهود وتجولهم بكامل الحرية في عموم الدول العربية والإسلامية المحظورة عليهم، وفتح كل مجالات الخيانة والتجسس، وما يخطر بالبال وما لا يخطر..

ونقول وبالله التوفيق:

جزى الله خيرًا إخواننا علماء موريتانيا على بيانهم هذا؛ الذي نرجو أن يكون بداية ينسج على منوالها كافة علماء المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فإنَّ من واجب العلماء بيان الحق لاسيما في زماننا هذا الذي تمكنت فيه أجهزة الباطل من تشويه الحق، وإظهار المنكرات وصنوف الباطل في أبهى الصور.

عن طارق بن شهاب -وهذا حديث أبي بكر- قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه؛ سمعت رسول الله صـلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». [رواه مسلم (1/69)].

فطريق السلام هو إنكار المنكرات سواء صدرت من الحكام أو المحكومين وعدم متابعتهم على الباطل، وقد بوَّب النووي رحمه الله تعالى:

باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع…

وهو أفضل الجهاد؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنـه قال: عَرض لرسول الله صـلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى. فقال: يا رسول الله أيُّ الجهاد أفضل؟ فسكت عنه. فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه. فلما رمى جمرة العقبة وضع رجلَه في الغرز ليركب قال: «أين السائل؟» قال: أنا يا رسول الله. قال: «كلمةُ حقٍّ عند ذي سلطان جائر». [رواه ابن ماجه (4012)، وقال الألباني: حسن صحيح].

وطاعة الأئمة والحكام والأمراء إنما تكون في المعروف؛ عن علي رضي الله عنـه أَنَّ النَّبِيَّ صـلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا وَقَالَ: ادْخُلُوهَا. فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صـلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: «لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». وَقَالَ لِلْآخَرِينَ: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ». [رواه البخاري (7257)، ومسلم (1840)].

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنـه عَنْ النَّبِيِّ صـلى الله عليه وسلم قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». [رواه البخاري (7144)، ومسلم (1839)].

وقد تظاهرت الأدلَّة وسيرة السلف الصالح على مشروعية الإنكار على السلاطين والحكَّام، وبيان الحق علنًا جهارًا بحضرتهم وبغير حضرتهم، ولاسيما إذا كان المنكر شائعًا ذائعًا كجريمة التطبيع التي هي محور سعي اليهود والنظام العالمي الآن..

والمنكرات إذا أُعلِنت وسكت عنها الناس فإنَّ العامة يعتادونها وتصبح معروفًا عندهم، ولذلك سعى سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأئمَّة الهدى إلى أن يكونوا صمام أمان لأمتهم؛ فلا يروا منكرًا إلا بادروا إلى إنكاره دون تردد، لا يشغلهم عن هذا الواجب أي شيء، حتى ولو كان من أجلِّ العبادات؛ لأنَّ الإنكار -حينئذ- هو واجب الوقت؛ قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى -في شأن الذين يعطِّلون فريضةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل التفرُّغ لأنواع العبادات من الذكر والقراءة والصيام وغيرها-؛ يقول: “وقد غرَّ إبليسُ أكثرَ الخلق بأن حسَّن لهم القيام بنوعٍ من الذكر والقراءة والصلاة والصيام والزهد في الدنيا والانقطاع، وعطَّلوا هذه العبوديَّات -أي: الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فلم يحدِّثوا قلوبَهم بالقيام بها. وهؤلاء عند ورثة الأنبياء من أقلِّ الناس دينًا فإنَّ الدِّين هو القيام لله بما أمر به، فتارك حقوق الله التي تجب عليه أسوأ حالًا عند الله ورسوله من مرتكب المعاصي…

ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صـلى الله عليه وسلم وبما كان عليه هو وأصحابه رأى أنَّ أكثر مَن يُشار إليهم بالدِّين هم أقلُّ الناس دينًا والله المستعان.

وأيُّ دينٍ وأيُّ خيرٍ فيمن يرى محارمَ الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك وسنَّة رسوله صـلى الله عليه وسلم يُرغَب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس كما أنَّ المتكلِّم بالباطل شيطان ناطق؟!

… فإنَّ القلب كلَّما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى وانتصاره للدِّين أكمل”. اهـ [إعلام الموقعين عن ربِّ العالمين (2/ 177)].

وقد ذكرنا طرفًا صالحًا من أدلة الإنكار العلني، ومنهج السلف في ذلك في كتابنا:

منهج السلف في نصيحة الحكام والسلاطين.. فمن شاء فليرجع إليه.

ونختم بنموذجين الأول قديم من سلف الأمة، والثاني حديث من علمائها المعاصرين:

عَنْ أَبِي قَبِيلٍ قَالَ: خَطَبَنَا مُعَاوِيَةُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَقَالَ: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَا وَمَنْ شِئْنَا مَنَعْنَا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّالِثَةُ قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: كَلَّا؛ بَلِ الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَاكَمْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَمَرَ بِالرَّجُلِ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَكَلَّمْتُ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ أَحْيَانِي هَذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ؛ يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ تَقَاحُمَ الْقِرَدَة». فَخَشِيتُ أَنْ يَجْعَلَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَدَّ هَذَا عَلَيَّ أَحْيَانِي أَحْيَاهُ اللَّهُ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا يَجْعَلَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ. [رواه أبو يعلى (7382)، والطبراني في الكبير (925) وغيرهما، وسنده حسن، وقوى الألباني في الصحيحة (1790) المرفوع منه، وصححه في صحيح الجامع (3615)].

وهذا كما ترى إنكار على الخليفة وهو يخطب في المسجد وردٌّ لقوله أمام جماهير المصلِّين وإقرار من معاوية ومَن حضر من الصحابة والتابعين لمن أنكر، بل والإشادة به..

والثاني من علماء مصر، وهو الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، ومواقفه كثيرة معروفة، ومنها -مما يطابق واقع التطبيع مع اليهود- قوله في كتابه كلمة الحق:

“أما التعاون مع الإنجليز بأيِّ نوعٍ من أنواع التعاون، قلَّ أو كثُر، فهو الردَّة الجامحة، والكفر الصراح. لا يُقبل فيه اعتذار ولا ينفع معه تأوُّل، ولا ينجي من حكمه عصبية حمقاء، ولا سياسة خرقاء، ولا مجاملة هي النفاق. سواء أكان ذلك من أفراد أو حكومات أو زعماء”. اهـ [كلمة الحق (ص130)].

رزقنا الله وإخواننا ثباتًا على الحق حتى نلقى الله عزَّ وجلَّ غير مبدِّلين..

كتبه

د. عبدالله بن فيصل الأهدل

الخميس 1442/6/22هـ

(المصدر: رابطة علماء المسلمين)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق