تقارير وإضاءات

انبعاث الضوء الساحر.. الإضاءة في المخطوطات الإسلامية القديمة

انبعاث الضوء الساحر.. الإضاءة في المخطوطات الإسلامية القديمة

إعداد عمران عبدالله

قد يكون من المستحيل إعادة بناء ظروف مشاهدة المخطوطات الإسلامية في العصور الوسطى والحديثة دون امتلاك القدرة على السفر بالزمن للاطلاع على المخطوطات في مكانها وزمانها الأصليين.

قال الكاتب فيفيك غوبتا في تدوينته التي نشرتها مدونة المكتبة البريطانية، إنه في حين تُظهر الرسومات أنه غالبا ما يتم الاطلاع على الكتب في الهواء الطلق يمكن للهندسة المعمارية أن تقدم معلومات معمقة حول تجربة المخطوطات داخل المباني.

ونرى عند النظر في محراب الصلاة المركزي المضاء بالكامل في المسجد الجامع لبيجابور جنوب الهند أن المحراب بأكمله مغطى بالخط العربي والتفاصيل المعمارية الدقيقة التي تمثل محور التركيز داخل المسجد.

وتملأ المصابيح والمخطوطات المعلقة التي تحتوي على آيات من القرآن الكريم غالبا المحاريب الصغرى الموجودة على جانبي المحراب المركزي وتحتوي الكتب على أغلفة مذهّبة، في حين تضم المصابيح فتائل ذهبية رقيقة تبرز جودة هذه المصابيح.

وتظل مشكلة الضوء أمرا لا مفر منه وتمثل إضاءة المخطوطات بشكل عام نوعا من تطبيق المواد العاكسة على أسطح الكتب.

وعلى الرغم من أن الإضاءة ترتبط عادة بالذهب السائل وعملية التذهيب، فإن المعادن الأخرى -بما في ذلك الفضة والقصدير أو خليط لين وملوّن من المعادن على سطح مادة المخطوط- تُستخدم أيضا لصنع البريق.

انعكاس الضوء
أوضح الكاتب أن الإضاءة تنعكس في كل مكان على الصفحة بما في ذلك حوافها وحدودها وأحكام الخط والشارة والواجهة الأمامية للكتاب ورأس الصفحة والعناوين والمساحة بين الأسطر والكتابة.

ولا يوجد دليل مكتوب أو كتيب استرشادي لهذه المصطلحات باللغة العربية والفارسية والتركية والأردية وما إلى ذلك، بينما تطورت هذه التسمية بالتوافق وتسبب على سبيل المثال مصطلح “عنوان” في حدوث بعض الارتباك.

وتشير الكلمة حرفيًا إلى عنوان الموضوع لكنها تعني في فهرس المخطوطات الفارسية للمكتبة البريطانية رأس الصفحة أو الغلاف أو الواجهة أو العنوان.

بالإضافة إلى الإشارات المتعلقة بالمنوّرين (المذهّبين) أو ممارسة الإضاءة أو غيرها من الكلمات التي تشكلت مع الجذر العربي ذ-ه-ب لا يقدم السجل النصي سوى القليل من المصطلحات الوصفية للإضاءة ولأسماء بعض الأنماط المضيئة.

وفي حين تمتلك بعض هذه الأنماط نظائرها في الزخرفة المعمارية، لا تترجم دائمًا بسلاسة في زخرفة الكتب، مما ألجأ إلى حل وسط آمن يتمثل في استخدام الكلمات الإنجليزية غير أن ذلك لا يبدو في الكثير من الأحيان أمرا كافيا.

أفاد الكاتب بأنه بغض النظر عن عدم وجود مفردات تقنية راسخة، تُعتمد الإضاءة والضوء في كل مكان في الفن والعمارة الإسلامية، بدليل صور المصابيح الواسعة الانتشار مثل تلك الموجودة في المسجد الجامع لبيجابور.

وتُمثّل إشارة مخطوطات مثل القرآن أو كتب الشعر إلى الضوء أمرا ذا دلالة إلهية، ويستشهد الكاتب بالآية الكريمة “اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ” (سورة النور: من الآية 35).

ومن المرجح أن تبدو المخطوطات القديمة تحت الشموع شبيهة بالطريقة التي بدت بها في زمنها الأصلي، ويمكن تقييم تأثيرات الاختلاف في الإضاءة على هذه المخطوطات عبر استعمال تقنيات حديثة مثل “التصوير متعدد الأطياف”.


 الحافة المذهبة لمخطوط دهلوي (المكتبة البريطانية)
 الحافة المذهبة لمخطوط دهلوي (المكتبة البريطانية)

وتجدر الإشارة إلى أن التعاون بين المؤرخين والعلماء المعماريين بدأ بالكشف عن كيف بدت مواقع مثل مسجد قرطبة عندما أُضيئت بمصابيح زجاجية إسلامية قديمة.

هالات النور
أورد الكاتب أن الإضاءة وقع تطبيقها على جميع الأشكال تقريبًا في الرسومات، وتمثل النار والشمس والسماء والهالات العناصر الذهبية الشهيرة وأظهرت كريستيان جروبر في مقالاتها وكتبها العديدة حول صور النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- كيف تطور هذا التقليد.

وفي المقدمة المكونة من صفحتين لكتاب “مخمَّسات أمير خسرو دهلوي” عام 1571 -وهو أحد أوائل الشعراء الصوفيين في الهند وكان يكتب باللغة الفارسية- وقع استخدام الذهب بكثرة في مشهد تخيلي يُظهر صعود النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

وتعتبر الصفحة فضلا عن ذلك مضاءة بالكامل ويشمل ذلك اللمسات الجانبية المزينة بالزهور والنباتات في الحواف الجانبية وغيرها، وفي تجربة الإطلاع على الكتاب وهو مفتوح بشكل كامل من المؤكد أن ينبعث النور من صورة النبي المرسومة في المخطوط على المشاهد وكأن المخطوط مضاء من الداخل.

وتمت كتابة المخطوطة بعناية وجرى تزويدها برسوم إيضاحية لمجموعة من أبرز الفنانين والمزخرفين حينها، واعتني بالأطراف المزخرفة وأضيفت رسوم طيور وأشكال هندسية بينما زين الغلاف الجلدي المصقول بعناية.

ويجب في الحقيقة وضع دراسة إضاءة الكتب في سياق مرئي موسع يتضمن الهندسة المعمارية، حيث يرى الكاتب أن الإضاءة في المخطوطات الإسلامية ليست بالأمر البسيط.

وعموما، تضمنت معظم الأبحاث التي أُجريت لصالح “بريتش ليبراري” تطوير طريقة لفهرسة الإضاءة في المخطوطات الفارسية، كما يتم في بعض الأحيان تخيّل المباني والمساحات التي وقع الاستمتاع بها ومشاهدتها نظرا لأن الإضاءة سمحت للكتب بإصدار الضوء.

(المصدر: الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق