كتاباتكتابات مختارة

العلمانية والإسلام .. قواعد منهجية

العلمانية والإسلام .. قواعد منهجية

بقلم د. عبد الآخر حماد الغنيمي

في أتون المعركة القديمة الجديدة بين الإسلام والعلمانية ،لا تزال تطالعنا بين الفينة والأخرى أقوال وكتابات لبعض ذوي التوجهات العلمانية ،تحاول جاهدة إثبات أن العلمانية باعتبارها فكرةً ونظاماً ليست ضد الدين ،وإنما هي فقط ضد احتكار رجال الدين للسلطة ،وأن العلمانية لا تعني إلغاء الدين أو محاربته، ويستشهدون على ذلك بأن الأديان لا تزال موجودة وتمارس شعائرها فى الدول العلمانية ، وأن من حق الإنسان فى ظل العلمانية أن يعبد ربه كيفما يشاء ، وأن أصحاب التوجهات الإسلامية من أنصار ما يسمى بتيار الإسلام السياسي هم الذين يروجون لتلك المزاعم ، وأن مصيبة هؤلاء الإسلاميين أنهم لا يريدون أن يعترفوا بحقيقة أن الدولة العلمانية ما هي إلا دولة يسود فيها احترام حقوق الإنسان ،وتقف من جميع الأديان عند مسافة واحدة ، كما قرأت لبعضهم مؤخراً .

وجواباً على ذلك أقول وبالله التوفيق :

1-بدايةً لا بد من التنبيه على أن القول بتناقض العلمانية مع الدين ليس من بنات أفكار التجمعات الإسلامية التي اصطلح على تسميتها بالتيار الإسلامي ، وذلك أن كل من درس العلمانية وقرأ تاريخها وعرف تطبيقاتها في بلاد الغرب ،يعرف أنها نشأت أصلاً ضد الدين ،وتحديداً ضد سيطرة الكنيسة على مقاليد الحكم ، وذلك أن كلمة العلمانية هي ترجمة خاطئة لكلمة : (Secularism ) ،والتي هي عند من وضعوها لا علاقة لها بالعلم ، وإنما تعني عندهم إقامة الحياة بعيداً عن الدين، أو الفصل الكامل بين الدين والحياة ؛فقد جاء في دائرة المعارف البريطانية في تعريف كلمة: Secularism ) ) : ( هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحيـاة الدنيا وحدها ) . وفي معجم أكسفورد نجد عند كلمة (secular): أن من معانيها : ( دنيوي، أو مادي، ليس دينياً ولا روحياً…..، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة، الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية ).

2-ومن الناحية التاريخية فإن المناخ الذي نشأت فيه الأفكار العلمانية في الغرب يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن العلمانية كانت ثورة على الدين ورجاله ، والثورة الفرنسية التي كانت ثمرتها قيام أول حكومة علمانية كانت بالأساس ثورة ضد تحالف الملكية والكنيسة ،حتى كان شعارهم الذي أطلقه “ميرابو” ورددته الجماهير من خلفه : (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس ). وكل فلاسفة العلمانية ومفكريها من أول فولتير إلى هوبز ،وجون لوك ،وروسو ،ومونتسكيو ،وغيرهم ، يرون أنه لابد من تنحية الدين عن شؤون السياسة تنحية تامة . وفولتير هو القائل : ( إن التوحيد بين الدين والدولة لهو أبشع نظام، لذلك يجب إلغاؤه وإقامة نظام آخر يخضع فيه رجال الدين لنظم الدولة، ويخضع فيها الراهب للقاضي).

3-إن القول بأن العلمانية ليست ضد الدين يمكن أن يكون صحيحاً بالنسبة للديانة النصرانية ،التي تقول أناجيلها : ( أعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر ) ،وتنقل عن المسيح عليه السلام أنه قال : ( مملكتي ليست في هذا العالم ) . وبذلك تكون الأفكار العلمانية -وبخاصة تلك التي تسمح بحرية التدين وتعتبر الدين مجرد علاقة شخصية بين العبد وربه- قد جاءت في بعض جوانبها بتصحيح أوضاع الكنيسة في بلاد الغرب وإعادتها لمهمتها الروحية التي تقررها عقيدتهم وتنص عليها أناجيلهم ،بعد أن تغولت الكنيسة في العصور الوسطى وكانت لها السلطة فوق الحكام والملوك .

أما الإسلام فهو لا يعرف ذلك الفصام بين الدين وشؤون الحياة ،بل يجعل السياسة العادلة جزءاً لا يتجزأ من الشرع الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد بُعث صلى الله عليه وسلم ليقول للناس إن الذي خَلق هو وحده المستحق للعبادة ،ومن مفردات العبادة أن يخضع الناس لما أمر الله به ،وليقول لهم إن الحكم بما أنزل الله فرض واجب ليس لنا فيه خيار : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) . فمفهوم الدين في الإسلام ليس مجرد علاقة بين العبد وربه ،حتى يقال لنا إن العلمانية لا تمنعكم من التدين ، وإنما كلمة الدين عندنا تعني نظاماً كاملاً شاملاً له في كل جانب من جوانب الحياة منهج واضح متكامل ؛كما قال تعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين *لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة أحكام كثيرة في شؤون السياسة والاقتصاد والجنايات وأحكام الأسرة وغيرها ،لا يسع مسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالفها ، لكنها في نظر العلمانيين لا قيمة لها إذا لم توافق أهواء الناس وأمزجتهم ، فكيف يقال بعد ذلك إن العلمانية لا تعادي الدين؟ .

4-إن القول بتناقض العلمانية مع الدين لم تنفرد به الحركات والجماعات الإسلامية ، وإنما هو أيضاً قول المؤسسات الدينية الرسمية في بلاد المسلمين ،وعلى رأسها الأزهر الشريف. وإني لأذكر جيداً أني استمعت في أوخر السبعينيات من القرن الماضي إلى محاضرة للشيخ الشعراوي رحمه الله .كان ينكر فيها مقولة : ( الإسلام دين ودولة )، وقد كان من حجته في ذلك أن العطف في اللغة العربية يقتضي المغايرة ، وعلى ذلك فعطف الدولة على الإسلام في قولنا : (الإسلام دين ودولة ) يعني أن الدين شيء والدولة شيء آخر ، بينما الصحيح أن الدولة في المفهوم الإسلامي جزء من الدين ، ثم أفاض في بيان أن الإسلام ليس مجرد طقوس وعبادات فردية وإنما هو نظام كامل شامل بنحو ما ذكرناه .كما أن مجلة الأزهر توزع مع عدد هذا الشهر ( ذي القعدة 1440) كتاباً بعنوان : ( العلمانية والإسلام بين الفكر والتطبيق ) من تأليف الدكتور محمد البهي الذي كان وزيرا للأوقاف في ستينيات القرن الماضي ، وفي هذه الرسالة يوضح الدكتور البهي رحمه الله مفهوم العلمانية على النحو الذي ذكرناه ،ويبين أنها من الناحية التاريخية مرت في بلاد الغرب بمرحلتين : المرحلة الأولى في القرنين السابع عشر والثامن عشر ،وفي هذه المرحلة كانت العلمانية في نظرتها للدين معتدلة نوعاً ما حيث اكتفت بالفصل بين الدولة والكنيسة ،وانتزعت من الكنيسة وصايتها السابقة في القرون الوسطى على الإنسان . وأما المرحلة الثانية فهي مرحلة العلمانية في القرن التاسع عشر ،والتي يسميها الدكتور البهي بمرحلة العهد المادي أو مرحلة العلمانية المتطرفة ،والتي كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بظهور الماركسية وما واكبها من الأفكار المعادية للمسيحية والرافضة لكل الأديان ،حيث كان ماركس يرى أن هدم المسيحية مقدمة ضرورية لبناء عالم يكون فيه الإنسان سيد نفسه . ويخلص الدكتور البهي من ذلك كله إلى بيان موقف الإسلام من العلمانية بشقيها المذكورين سابقا فيقول : ( أما موقف الإسلام فهو ضد العلمانية بأي من المفهومين السابقين ) .ثم يدلل على ذلك بنحو ما ذكرناه من اشتمال الإسلام على أحكام واجبة التنفيذ في شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وأنه بذلك يناقض العلمانية حتى بمفهومها المعتدل الذي يزعم البعض أنه لا يعادي الدين كما أوضحناه سابقاً .

5-إن تصور الدولة العلمانية على أنها دولة محايدة تقف عند مسافة واحدة من جميع الأديان، هذا التصور ليس موجوداً حتى في أعتى البلاد علمانيةً .فهل ننسى أن فرنسا حظرت الحجاب باعتباره رمزاً دينياً ؟مع كونهم لا يمنعون ملابس الراهبات ، ولا حتى قلنسوة اليهود رغم أنها تمثل رموزاً دينيةً أيضاً . ولعل الكثيرين لا يعلمون أن الدول الأوربية لا تزال حتى الآن لا تعترف بالإسلام كدين ،فيما عدا بلجيكا فيما أعلم ، وإنما يعترفون بالمسلمين كطائفة دينية يسمح لها بممارسة شعائرها الدينية .لكنهم يحرمونها من كثير مما يسمحون به لأصحاب الديانات الأخرى . وأذكر أننا حين كنا في ألمانيا طالبنا مراراً بأن يسمح للمسلمين بذبح الدجاج والبهائم وفق أحكام الشريعة الإسلامية ،وذلك أسوة باليهود المسموح لهم بالذبح اليدوي ، ولكن السلطات رفضت ذلك ، حتى وصل الأمر للقضاء ومع ذلك لم يحكم لنا بذلك.

ولكن الإنصاف يقتضي أن نذكر أن الدول العلمانية في بلاد الغرب تتمتع بالفعل بسجلات طيبة في احترام حقوق الإنسان،وأنهم في الجملة يحرصون على إقامة العدل فيما بينهم وفق قوانينهم ، وقد أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة ، ولكنا واللهِ لو رجعنا إلى ديننا وطبقنا أحكامه فيما بيننا لوجدنا فيه من العدل واحترام آدمية الإنسان ما هو أعظم من هذا الذي تتيه به بلاد الغرب علينا ، ولكنا لما بعدنا عن منهج الله ابتلينا بضنك العيش ،وجور الحكومات المتعاقبة التي راحت تحكمنا وفق أساليب تأخذ من العلمانية سلبياتها ،وتتغاضى عما تشتمل عليه من تلك الإيجابيات التي أشرنا إليها فإلى الله المشتكى.

(المصدر: رابطة علماء المسلمين)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق