علماء من عصرنا

مِنحَةُ الجَليلِ في ترجمةِ ومآثر العلَّامةِ المُقرئِ المُحقِّقِ الشَّيخِ محُمَّد سُليمان الشَّنْدَويلِي (1322 – 1403هـ = 1905 – 1983 م)

مِنحَةُ الجَليلِ في ترجمةِ ومآثر العلَّامةِ المُقرئِ المُحقِّقِ الشَّيخِ محُمَّد سُليمان الشَّنْدَويلِي (1322 – 1403هـ = 1905 – 1983 م)

ترجمة أ. عمير الجنباز

ترجمة تنشر لأول مرَّة عن علمٍ من أعلام علماء القراءات الَّذين ساهموا في خدمة إقراء القرآن الكريم والقراءات وعلوم القرآن بكلِّ إخلاصٍ وتَفانٍ وجَدارة:
هو العلَّامة المقرئ المُتقن المحقِّق، والمتفنِّن المدقِّق، ناشرُ لواءَ الإفادة للطَّالبين، والاستفادةَ للسَّائلين، اللَّوذعي المِصقَع، وَالدرَّاكة الْمُرعرَع، الشيخ محمد سُليمان بن أحمد سُليمان الشَّندويلي[1] بلدًا ومولدًا، القاهري إقامةً ووفاة، الأزهري تربيةً وتعلُّمًا، المالكي فقهًا ومذهبًا، شيخ مقارئ مسجد الحسين بالقاهرة لقرابة نصف قرن!.
حفظ القرآن المجيد، وأتقنه وجوَّده غاية التَّجويد، ثم اشتغل في طلب العلم بالجامع الأزهر، إلى أن حصل له الحظُّ الأوفر، فأخذ في الاشتغال بالتَّعلُّم والتَّحصيل، وقد أدرك الجهابذة الأفاضل ذوي القدر الجليل، وتلقَّى عليهم العلوم الشَّرعية والعربيَّة، ومنها القراءات العشر بطرقها المعروفة المرضيَّة، فتلقَّاها على مشايخه في المعاهد الدينيَّة العلميَّة الإسلاميَّة الأزهريَّة بأسانيدهم وأجازوه بها، وقد أدَّى الامتحانَ النِّهائي بنجاح في ذلكَ علميِّاً وعمليِّاً أمام اللجنة برئاسة شيخ المقارىء المصريَّة في زمانه وأوانه العلَّامة المحقِّق الشَّيخ محمَّد بن علي بن خلف الحسيني الشَّهير بالحدَّاد (1282 – 1357 هـ ) [2]، ونال بذلك شهادة علم القراءات والإجازة بها عام تسع وأربعين وثلاثمائة وألف هجريَّة، وصادقَ عليها شيخُ الْجامعِ الأزهَرِ في وقته العلامة الشيخ محمد الأحمدي الظَّواهري (1295 – 1363 هـ )[3] ثم تلقَّى القراءات العشر على شيخه العلَّامة المقرئ الشَّيخ محمَّد بن أحمد المغربي[4] شيخ الإقراء بالْجَامِعِ الأزهر، ومِنْ أبرزِ أَقرانِ المترجَمِ لَهُ في العلم: العلَّامة المقرىء الجَليل الشيخ محمَّد بن إسماعيل الهَمداني (ت: 1405هـ) شيخُ مَقرأةِ الْجَامعِ الأزهَر، والعلَّامة المقرئ الجليل الشيخ عامر بن السيد عثمان (ت:1408هـ) شيخ مقرأة مسجد الشَّافعي بالقاهرة، ثم شيخ عموم المقارئ المصريَّة.
وقد تَصدَّر الشَّيخ الشَّندويلي مُدَّةً طويلةً للإقراء وَالتَّدريس وإفادة الطَّلبة، مقرئًا في مَقرأة مسجد الحسين بالقاهرة، ومدرِّسًا أيضًا في:”مدرسة التَّجويد والقراءات” التَّابعة لـ:”الجمعيَّة العامَّة للمحافظة على القرآن الكريم”، الَّتي آلت فيما بعد معهدًا للقراءات وتابعًا لكليَّة اللُّغة العربيَّة بالقاهرة، فاشتهر بعلم القراءات والتَّجويد، وأصبح يُشارُ إليه بالبنان في عَصره، ويُعتبرُ من بقية أفذاذه في مِصره، وكان فريداً في تسهيل المعاني وتبيين المباني في مَسائلِ القراءات ودقائِقَها، يفكُّ كلَّ مُشكلٍ بواضحِ تقريره، ويفتحُ كلَّ مُغلقٍ برائقِ تحريره، وكان واسعَ الحفظِ شديدَ الضَّبط للقراءات مُتواتِرها وشَاذِّها وحُجَجِها وطُرقِها وتحريراتها، ومُحيطاً بعلوم الرَّسم والضَّبط والفواصل، وقَدْ شَابهَ الإمامَ الْمُقرىءَ علمَ الدِّينِ علي بن محمد بن عبد الصَّمدِ السَّخاوي[5] (558 – 643 هـ) في طريقَتهِ للإقرَاءِ، بحيثُ يقراُ عَليهِ رَهْطٌ منَ القُرَّاءِ بمواضعَ مختلفةٍ من الْقُرآنِ الْعَظيمِ في دُفعةٍ وَاحِدةٍ بعدِّة روَاياتٍ وقرَاءاتٍ وهُو يَردُّ عَلى الْجَميعِ دُونَ لَبسٍ أَو خَلطٍ مِمَّا يَدلُّ عَلى سُرعَةِ بَديهيَّتهِ وكَمالِ فِطنتِه، وكانَ صاحِبَ دُعابةٍ ونُكتةٍ حاضرة، يمازحُ تلامذته رغمَ هَيبته، وامتاز بخطِّه الحسن الرَّائق فنسخَ الكثير من أمَّات الكتب والمخطوطات والمصاحف، وكان يكتب الإجازة لتلاميذه بخطِّه، ويسوقُ إسناده إلى النَّبي عَليه الصَّلاة والسَّلام، ومن سجاياه الحميدة أنَّه يأبى أخذَ الأُجرةِ على الإقراءِ بَلْ كان عَملُه احتسابًا للأجرِ عند الله تعالى، حيثُ كان عفيفًا متقشِّفًا زاهدًا، وصالحًا مُخبتًا عابدًا، وللمترجَم المذكور فضائل شهيرة، وشمائل بديعة كثيرة، وقد قرأ عليه آلاف الطَّلبة والقُرَّاء بمختلف القراءات والرِّوايات، وأنجب تلامذة فضلاء، لهم في العلم و فنِّ التجويد والقراءات اليد البيضاء، فمن داخل مصر عددٌ كثير، منهم:
من القرَّاء المشهورين:
 القارئ الشَّهير إبراهيم الشعشاعي.
 القارئ الشَّهير كمال البهتيمي.
 القارئ الشَّهيرالشَّيخ محمد محمود حسن بحيري.
 القارئ الشَّهير الشَّيخ محمود عبد الحكم.
ومن طلبة العلم :
 الشَّيخ د.الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف المصري الأسبق، له: تحقيق كتاب “شرح السُّنَّة للبغوي”، و كتاب “طبقات المالكيَّة، المعروف باسم: الدِّيباج المذهب في معرفةمذهب ابن فرحون “، وكتاب “درَّة الحجال في أسماء الرجال – ذيل وفيات الأعيان”، وكتاب “معالم الإيمان في طبقات علماء القيروان”.
 الشَّيخ صلاح الشَّربيني .
 الشَّيخ مجاور محمد مجاور.
 الشَّيخ كمال بن محمد أنيس القوصي.
 الشَّيخ حسن بن عبدالسلام بن حسن أبو طالب.
 الشَّيخ عبدالغني حسن.

وأما تلامذته من خارج مصر فكثير، منهم:
 الشَّيخ د.فضل بن حسن عبَّاس، من بلدة الصَّفوريَّة قضاء النَّاصرة فلسطين، وهو من علماء التَّفسير وعلوم القرآن والبلاغة، من كتبه الكثيرة: “القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته”، “إتقان البرهان في علوم القرآن”، “لطائف المنَّان وروائع البيان في دعوى الزِّيادة في القرآن”، “اتِّجاهات التَّفسير ومناهج المفسرين في العصر الحديث”، “القراءات القرآنيَّة من الوجهة البلاغيَّة”، “شبهات حول القراءات القرآنيَّة”،”القراءات القرآنيَّة وما يتعلَّق بها”، وغيرها.
 الشَّيخ محمَّد بن شحادة الغول، من بلدة بخعون قضاء طرابلس لبنان، له كتاب: “بغية عباد الرحمن لتحقيق تجويد القرآن”.
 الشَّيخ محمَّد غياث بن محمد الجنباز، من حماة سوريا، له تحقيق ودراسة كتاب: “الغاية في القراءات العشر” لابن مهران الأصبهاني، وكتاب: “التَّصديق بالنظر إلى الله تعالى” للآجري، وكتاب: “القراءات الشَّاذَّة وتوجيهها في تفسير القاضي البيضاوي”، وكتاب:”زبدة الإتقان في علوم القرآن”، وكتاب: “الشِّرعة في القراءات السَّبعة وشرحها” لهبة الله البارزي الحموي، وغيرها .
 الشَّيخ محمَّد فيصل عداب بن محمود الحمش، من حماة سوريا، له كتب منها: “رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتَّعديل بين التوثيق والتجهيل”، و”ثعلبة بن حاطب الصحابي المفترى عليه”، و”الإمام ابن حبِّان ومنهجه في الجرح والتَّعديل”.

وعلى الرَّغم من انشغَالِ المترجَمِ لَهُ – رحمه الله – بتصَدِّيهِ للإقراءِ والتَّعليمِ مَا يزيدُ عَلى نصفِ قَرنٍ مِنَ الزَّمان، إلا أنَّ لَهُ مؤلفاتٌ بهيَّة، وآثارٌ لَطيفةٌ زَهيَّة، فمِنْ جُملتهَا: شَرحٌ على مَتنِ الشَّاطبيةِ في القراءاتِ السَّبع، ومنظومة ألفيَّة في النَّحوِ والصَّرف، وتحريرات في القراءات وطرقِها، وغيرها، لكن بَقيتْ آثارُه مخطوطة في خزانتهِ الخاصَّة.
ولم يزل الشيخ الشَّندويلي على حالةٍ حسنة، وصفةٍ مُستحسنة، إلى أن دعاه داعي المنيَّة، إلى الدَّار الآخرة العليَّة، عام ثلاث وأربعمائة وألف هجريَّة بالقاهرة، بعد حياة حافلة لخدمة كتاب الله العزيز.
رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه جنَّات من تحتها الأنهار، وجزاه عمَّا قدَّم خير الجزاء وأوفاه، وجمعنا به في مُستقرِّ رحمته، وبدار كرامته.
————————–——————–
[1] قرية “شندويل” هي إحدى القرى التابعة لمركز المراغة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر.
[2] الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية لزكي مجاهد: (2 / 172 ).
[3] الأعلام الشرقية: (2/ 147).
[4] وهو من أبرز تلامذة شيخ الإقراء بالديار المصرية الشيخ محمد بن علي بن خلف الحسيني الشهير بالحدَّاد.
[5] ترجمته في: وفيات الأعيان لابن خلكان (1/ 345)، معرفة القراء الكبار للذهبي (1/ 597)، طبقات الشافعية للسُّبكي ( 8 /297 )، وغاية النِّهاية لابن الجزري ( 1/ 568)، بغية الوعاة للسيوطي ( 2/ 192).

الصورة: العلَّامة المقرىء الكبير الشَّيخ محمد سليمان الشَّندويلي مع تلميذه الشَّيخ محمد غياث الجنباز، وذلك في أوائل السبعينات الميلادية، بمنزل صاحب الترجمة في حي الدرَّاسة بالقاهرة.

(المصدر: صفحة عمير التيمي على الفيسبوك – شبكة الألوكة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق