آخر الأخبار
لماذا نصوم؟
8 مايو، 2019
سُنن – مع فضيلة الشيخ عبد الحي يوسف – الحلقة الأولى
8 مايو، 2019

العلامة محمد عبد الله دراز

العلامة محمد عبد الله دراز

بقلم العلامة الشيخ د. يوسف القرضاوي

العلامة محمد عبد الله دراز
شيخ العلماء ورائد الفلاسفة ورجل الفكر والدعوة والتربية
(1312 – 1377هـ = 1894-1958م)
فقد العالم العربي، والعالم الإسلامي، والعالم الإنساني العالم، في عشية يوم الاثنين 16 من شهر جمادى الثانية سنة 1377هـ، الموافق 6 من يناير سنة 1958م، العلامة الذي كان في عصره – بحقٍّ – الحبر البحر، الفهَّامة القرآني، والعالم النوراني، والمعلم الربَّاني، محمد عبد الله دراز.
كان الشيخ دراز رحمه الله من العلماء الموسوعيين، الذين جمعوا بين علوم الشريعة، وثقافة العصر، وأجاد الفرنسية إجادته لعلوم العربية، فهو ابن الأزهر، وابن السوربون، فإن شئت نسبته إلى جامع (الأزهر)، فهو ابنه البار، وتكوينه الأزهري قوي متين، وإن شئت نسبته إلى جامعة (السوربون)، فهو من خريجيها الذين تعتزُّ بهم، وتفخر بانتمائهم إليها، وهو أحد رجال الفلسفة والأخلاق المعدودين في عالمنا العربي والإسلامي، ولكن دراسته في السوربون لم تُخرجه عن أزهريَّته العريقة، حتى إنه من القليلين الذين بقوا على زيِّهم الأزهري- الجُبَّة والعمامة- بعد عودتهم من بعثتهم إلى الخارج.
معرفتي بالشيخ رحمه الله:
عرَفتُ الشيخ وأنا طالب بكلية أصول الدين، حين قرأنا بعض فصوله وكتبه المتميزة العميقة، مثل (النبأ العظيم) و(الربا) وغيرهما، وزرناه- أنا وبعض إخواني- طالبين معونته لكتيبة الأزهر التي نعدُّها لتذهب إلى القناة؛ لمقاومة الاحتلال البريطاني، فشجَّعنا وشدَّ أزرنا، ولم يبخل علينا بمادة ولا نصيحة.
وفي تخصُّص التدريس، كان يدرِّس لنا علم الأخلاق، فكان آية في شرحه، وآية في عمقه، وآية في أسلوبه، وحسن بيانه، وكنا ننتظر محاضرته في لهف وشوق، كشوق الظمآن إلى الماء العذب البارد؛ لا لنتعلَّم منه العلم فقط، ولكن لنتعلَّم أيضًا طريقة التعليم.
وبعد خروجنا من السجن الحربي سنة 1956م، زرتُه أنا والأَخَوَان: أحمد العسال، وأحمد حمد، أكثر من مرَّة في بيته في شارع أبو بكر الصديق في مصر الجديدة، والحقُّ أنه هشَّ لنا، ورحَّب بنا، وفتح لنا صدره، كما فتح لنا بيته.
طلب زيارة دورية:
وكنا نرى أن وجود مثل هذا الشيخ العلاَّمة، الذي يتميَّز بالموسوعية وبالمنهجية، وبالتحقيق والتعميق والتدقيق، وبحسن تناول المسائل الصعبة والعويصة بطريقة تجعلها سهلة سلسة، وباستخدام البيان الأدبي في أسلوبه الذي يجمع بين إقناع العقول، وإمتاع العواطف، ويضمُّ إلى رصانة الأصالة رونق المعاصرة، كنا نرى وجوده نعمة من الله للأمة، وفرصة يجب أن يستفيد منها طلَّاب العلم، وعشَّاق الفكر الأصيل المجدِّد، فطلبنا إليه- نحن الثلاثة- أن يتيح لنا فرصة زيارته دوريًّا: كلَّ أسبوع، أو كلَّ أسبوعين، لنتتلمذ عليه، ونتلقَّى عنه العلم والعمل، ونقتبس منهجه، ونُشْرَب رُوحه.
ولقي هذا الاقتراح منه رضًا وترحيبًا، وكان يُعِدُّ العُدَّة للسفر إلى لاهور لحضور مؤتمر الأديان، الذي سيذهب إليه ممثِّلًا للأزهر، فوعدنا أن نرجئ ترتيب هذا اللقاء وتحديد مواعيده ومنهجه وموضوعاته إلى ما بعد عودته من المؤتمر.. وشاء الله تعالى ألا يعود الشيخ من المؤتمر، وأن يوافيه الأجل المحتوم هناك، وأن يعود الشيخ جثمانا محمولًا، ليُصلَّى عليه في الجامع الأزهر، ويُدفن في مصر.
زهد الشيخ دراز رحمه الله:
كان شيخنا دراز من العلماء الربَّانيين، الموصولين بالله تبارك وتعالى، وإن لم يُعرف عنه الانتساب إلى التصوُّف، مثل الشيخ عبد الحليم محمود. وما ذهبنا إليه في بيته إلا وجدناه يتلو القرآن استظهارًا، لقوَّة حفظه له، يتعبَّد بتلاوته، فقد كان وقته معمورًا بذكر الله، أو بفعل الخير، أو بخدمة العلم.
وما حدَّثناه وجلسنا إليه، إلا وجدناه مشغولًا بأمر الإسلام وهموم المسلمين.
وقد عرض عليه رجال الثورة بواسطة مندوبين منهم: منصب مشيخة الأزهر، وحسبوا أن الرجل سيسارع بالقَبول والتلبية، ولكنهم فوجئوا به يشترط شروطًا لقَبول المنصب، ومنها: أن تطلق يده في إصلاح الأزهر. فخرجوا من عنده، ولم يعودوا إليه. إنهم لا يريدون مَن يشترط عليهم شرطًا، بل مَن يقبل بلا قيد ولا شرط، ويقدِّم إليهم الحمد والشكر.
ولم يكن هذا شأن الشيخ، الذي يرى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وفرصة للإصلاح والبناء، لا للظهور والأضواء.
آثاره:
كان أحد العلماء الراسخين في علوم العقيدة والفلسفة، وقد ترك لنا جملة آثار مهمَّة، تدلُّ على شخصيَّته الفلسفية، وهما: كتاب (الدين)، الذي ألقاه محاضرات على طلبة كلية الآداب، بوصفه بحوثًا ممهِّدة لتاريخ الأديان. والتي دعاه إليه صديقه وعارف فضله الأستاذ الدكتور علي عبد الواحد وافي، أستاذ التربية في كلية الآداب.
ورسالته التي نال بها درجة الدكتوراه من السوربون، والتي ترجمها أخونا الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين بعنوان: (دستور الأخلاق في القرآن الكريم)، وهي أدلُّ على شخصية الشيخ الفكرية.
والأثر الثالث: رسالته الموجزة والمركَّزة، التي سمَّاها (كلمات في مبادئ علم الأخلاق)، والتي سعدنا بتدريسه إياها لنا في تخصُّص التدريس.
وهناك بحوث ومقالات أخرى تؤكِّد هذا الاتجاه الكلامي والفلسفي في شخصية الشيخ العلميَّة، حتى نجد ذلك بوضوح في شرحه لبعض الأحاديث النبوية، وفي تفسيره لبعض الآيات القرآنية.
وكان الشيخ أيضًا أحد العلماء الراسخين في التفسير وعلوم القرآن، وقد ترك لنا من دلائل ذلك: كتابه الرائع (النبأ العظيم)، وهو كتاب متفرِّد، ويحتوى نظرات جديدة ومتميِّزة في الإعجاز البياني أو الأدبي للقرآن، لم ينسجه على منوال أحد قبله في مضمونه وأسلوبه.
كما ترك كتابه (مدخل لدراسة القرآن الكريم)، وقد كتبه بالفرنسية، ثم تُرجم إلى العربية.
وترك الشيخ كذلك (تفسير الفاتحة)، و(مقدمة التلاوة) لعدد من سور القرآن الكريم، وكلُّها تدلُّ على عمق نظرات الشيخ إلى كتاب الله، وتذوُّقه لمعانيه، وغوصه في أسراره.
وكان الشيخ كذلك من الراسخين في علوم السنة، ولا سيما في فقه الحديث، وشرحه، كما تبيَّن ذلك من كتابه القيم (المختار من كنوز السنة)، الذي شرح في جملة من الأحاديث النبوية.
وقد قام بتخريج أحاديث (الموافقات)، الذي حقَّقه والده تخريجًا موجزًا يدلُّ على مدى اهتمامه بالحديث منذ شبابه.
وكان الشيخ رحمه الله في كلِّ ما يكتبه متميِّزا في منهجيَّته، متميِّزا في عمقه، متميِّزا في أسلوبه.
وقد شرع في بعض البحوث، ولكن لم يمهله القدر حتى يكملها، مثل كتابه (الميزان بين السنة والبدعة)، أراد به أن يحدِّث كتاب (الاعتصام) للشاطبي، وأن يعرضه بلسان العصر، وكما أن الشاطبي مؤلِّف الأصل- وهو (الاعتصام)- لم يكمله، فكذلك مؤلف (الميزان).
وكان الشيخ عضوًا في جماعة كبار العلماء، كما كان موضع ثقة مشيخة الأزهر في عهوده المختلفة، وكان يكلَّف بتمثيل الأزهر في المؤتمرات العالمية.
مثَّل الأزهر في (مؤتمر الحقوق الدولية) المنعقد في باريس سنة 1951م، وفيه كتب بحثه عن (الربا).
وكذلك مثَّل الأزهر في (مؤتمر العلاقات الدولية)، وكتب رسالته (الإسلام والعلاقات الدولية).
وآخر ما مثَّل فيه الأزهر (مؤتمر الأديان)، الذي أُقيم بمدينة لاهور باكستان، وفيه وافاه أجل الله، الذي إذا جاء لا يؤخَّر.
قُوَّتُه في الحق:
حكى لنا شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله عن موقف له في المجلس الأعلى للإذاعة، وقد كان عضوًا فيه: أنهم أرادوا أن يجعلوا وقت قراءة القرآن في الافتتاح والختام، وبعض الفترات محسوبًا على نصيب الدين فقط، فقال لهم: إن سماع القرآن ليس دينًا فقط. إنه استمتاع أيضًا بالفن والجمال المودع في القرآن، والمؤدَّى بأحسن الأصوات.
وفاته:
وافته المنية رحمه الله في مؤتمر الأديان في لاهور سنة 1958م، وقد استقبلنا الشيخ لنصلِّي عليه مع ألوف المصلِّين من أبناء الأزهر، ونبكيه مع الباكين من أبناء الأمة، وندعو أن يتقبَّله الله في الأئمة الصادقين، وأن يعوِّض الأمة فيه خيرًا.

(المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المنشورات لا تعبر بالضرورة عن رأي المنتدى