كتب وبحوث

مختصر كتاب: (قدوة الغازي) لمؤلفه: محمد بن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: 399هـ)

كتاب (قدوة الغازي) للإمام ابن أبي زَمَنِين -رحمه الله- كتابٌ لطيفٌ، موضوعُه: الجهاد وفضله، والأحكام والآداب التي ينبغي على المجاهد أن يعمل بها.
جمع فيه مؤلفه عددًا من الأحاديث والأثار المروية عن الصحابة والتابعين، ونقل كلام أئمة المالكية في بعض مسائل الجهاد المستجدّة.

وقد قمنا باختصار هذا الكتاب رغبة في تقريبه للقرّاء، واقتصرنا في كلّ باب من أبوابه على ذكر أصحّ الأحاديث والآثار، وما فيه غُنية عن غيره، وشرحنا ما يحتاج منها إلى شرح.
والله من وراء القصد

لتحميل المادة PDF .. اضغط هنا 


نبذة عن الكتاب ومؤلّفه[ 1 ]

اسم الكتاب: قدوة الغازي، والمقصود بالغازي: المجاهد في سبيل الله، والكتاب هو قدوة للمجاهد بما يحويه من الآيات والأحاديث والأثار في موضوع الجهاد وفضله، والأحكام والآداب التي ينبغي على المجاهد أن يعمل بها.

مؤلفه: هو الإمام ابن أبي زَمَنِين، أبو عبدالله محمد بن عبدالله المرّي الإلبيري القرطبي، المتوفى سنة 399هـ، كان فقيهًا محدّثًا مفسّرًا، كما كان ضليعًا في علوم اللغة العربية، شاعرًا، له الكثير من المؤلفات في الفقه والوثائق (القضاء)، والوعظ والزهد وأخبار الصالحين.

بواعث تأليفه للكتاب: ذكر المؤلف في مقدمة كتابه سبب تأليفه للكتاب، فقال بعد أن ذكر آيتين في الحث على الجهاد في سبيل الله: “ولهاتين الآيتين نظائر في كتاب الله عزّ وجلّ، والآثارِ -أيضًا- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن غير واحد من أهل العلم بمثل هذا المعنى كثيرة مستفيضة، وسأذكر منها بعد هذا ما حضرني ذكره، وأصنّفها وأشفعها بمسائل مما يجوز للغازي فعله، ومما لا يجوز، فعسى أن يتعلّم ذلك ويقتدي به من لم تتقدم له عناية بطلب علمه، ممن يؤثر الغزو في سبيل الله بنيّة حسنة، وطريقة قويمة”.

وصف الكتاب: قال المؤلف في مقدمة كتابه: “وكل ما ذكرته في هذا الكتاب من الآثار والمسائل فجميع ذلك من روايتي، واستخرجته من كتبي”.

وطريقة المؤلف في كتابه هذا: هي الإكثار من النصوص الحديثية والفقهية من غير تعليق إلا في القليل النادر، فهو لا يتدخّل بين القارئ والنصوص في الغالب، فرأيه مبثوث في الأقوال التي يرويها، ومن الترتيب الذي يعرضها به، ومن العناوين التي يثبت بها أبواب الكتاب وتراجمه، وبهذه الطريقة أصبح كتاب ابن أبي زمنين يغلب فيه الأثر وحكاية أقوال الفقهاء غَلَبَةً واضحة.

وقد اشتمل الكتاب على ثلاثة وعشرين بابًا، بثّ فيها (121) نصًّا، فيه المرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلّم- وهو الغالب، والموقوف على صحابته الكرام رضي الله عنهم، والتابعين ومن تبعهم رحمهم الله. وهذه النصوص فيها الصحيح والحسن والضعيف. وكمّلها بذكر آراء الفقهاء المالكية في المسائل المدروسة، واستخرج منها أحكامًا، واجتهد في ربط الكلام وإحكام تسلسل المعاني حول موضوع الغازي في سبيل الله وماذا ينبغي له أن يتحلّى به من صفات.

منهجنا في اختصار الكتاب:

  • اقتصرنا في كل باب من أبواب الكتاب على ذكر أصحّ الأحاديث والآثار، وما فيه غُنية عن غيره. واعتمنا في ذلك على كلام أهل العلم في الحكم على الأحاديث.
  • في حال كانت أحاديث الباب لا تخلو من ضعف أثبتنا أقوى رواية بينها.
  • اقتصرنا في التخريج على ذكر المصدر الذي وجدنا فيه متن الحديث أو الأثر، ورقمه، دون ذكر اختلاف الروايات في الألفاظ.
  • شرحنا غريب الأحاديث والآثار والنصوص، وبيّنا معنى ما يحتاج منها إلى بيان بعبارة موجزة.
  • رقّمنا أحاديث النبي صلى الله عليه وسلّم، والآثار المروية عن الصحابة والتابعين، دون غيرها.

بسم الله الرحمن الرحيم

باب من الترغيب في الغزو وفضائل أهله:

  1. قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمه الله على النار). صحيح البخاري (907).
  2. وقال عليه الصلاة والسلام: (لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخان جهنّم في جوف عبدٍ أبدًا). سنن النسائي (3110)، سنن الترمذي (1633)، سنن ابن ماجه (2774)، مسند أحمد (7480)، وقال الترمذي: حسن صحيح.
  3. وقال عليه الصلاة والسلام: (موقف ساعةٍ في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود). صحيح ابن حبان (٤٦٠٣)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه لصحيح ابن حبان: إسناده صحيح.
  4. وقال عبادة بن الصامت رضي الله عنه، سمعت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: (جاهدوا في سبيل الله فإنّ الجهاد في سبيل الله بابٌ من أبواب الجنّة يُنجِّي الله به من الهمّ والغمّ).مسند أحمد (22680)، وقال شعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند: حسنٌ بمجموع طرقه.
  5. وقال عليه الصلاة والسلام: (مثل المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم القانت الذي لا يفتر من صيامٍ وقيامٍ حتى يرجع). صحيح البخاري (٢٧٨٧)، صحيح مسلم (1878). ومعنى يفتر: يضعف بعد الشدّة والنشاط.
  6. وقال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمدٍ بيده لا يُكْلَم أحدٌ في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكلم في سبيله-  إلا جاء يوم القيامة على هيئته، اللون لون دمٍ، والريح ريح مسكٍ). صحيح البخاري (٢٨٠٣)، صحيح مسلم (١٨٧٦). ومعنى يُكْلَم: يُجْرح.
  7. وقال صلى الله عليه وسلم: (تكفّل الله لمن خرج من بيته مجاهدًا في سبيله لا يخرجه إلا جهادٌ في سبيله وتصديقٌ بكلماته أن يتوفاه فيدخله الجنّة، أو يُرجعه سالمـًا إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ). صحيح البخاري (٣١٢٣)، صحيح مسلم (١٨٧٦).
  8. وقال صلى الله عليه وسلم: (للمجاهد نومه ونبهه). سنن أبي داود (٢٥١٥)، مسند أحمد (22042)، مستدرك الحاكم (2435)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ومعنى الحديث: أنّ الله يكتب للمجاهد الأجر على وقته كله الذي يمضيه في الجهاد، سواء كان نائمًا أو مستيقظًا.
  9. وقال عليه الصلاة والسلام: (خير الناس رجلٌ ممسكٌ بعنان فرسه في سبيل الله، كلّما سمع هيعة طار إليها). صحيح مسلم (1889). والهيعة هي الصوت الذي يفزع منه الإنسان.
  10. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (لولا أن أشق على أمّتي لأحببت ألّا أتخلف خلف سريةٍ تخرج في سبيل الله، ولكنّي لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما يتحملون عليه فيخرجون، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا، فلوددت أنّي أقاتل في سبيل الله فأُقتل، ثم أحيا فأُقتل، ثم أحيا فأُقتل). مسند أحمد (10442)، صحيح ابن حبان (٤٧٣٦)، موطأ مالك (911)، وأصله في الصحيحين.

باب النية في الغزو

أوّل ما ينبغي لمن أراد الغزو في سبيل الله أن ينظر فيه ويتفقّده من نفسه: صلاحُ نيّته التي بصلاحها تزكو الأعمال ويتقبلها الكريم المفضال.

  1. فقد روينا عن النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (إنّما الأعمال بالنيّة، وإنّما لأمرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه). صحيح البخاري (٦٦٨٩)، صحيح مسلم (١٩٠٧).
  2. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (من غزا في سبيل الله وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالًا فله ما نوى). مسند أحمد (22692)، سنن الدارمي (2460)، قال حسين أسد في تحقيقه للسنن: إسناده جيد، المستدرك (2522)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والعقال: حبل يربط به البعير.

باب من ينبغي للغازي أن يلتزمه من محاسن الأخلاق

  1. وقال معاذ بن جبل: (الغزو غزوان: غزو تُنفَق فيه الكريمةُ، ويُيَاسِرُ فيه الشّريك، ويُطاع فيه ذو الأمر، ويُجتنب فيه الفساد؛ فذلك الغزو خيرٌ كلُّه، وغزو لا تُنفق فيه الكريمة، ولا يُياسر فيه الشريك، ولا يُطاع فيه ذو الأمر، ولا يُجتنب فيه الفساد، فذلك الغزو لا يرجع صاحبه كفافًا). سنن أبي داود (٢٥١٥)، وقال الأرناؤوط: حِسِنٌ موقوفًا، سنن النسائي (٤١٩٥) عن النبي -صلى الله عليه وسلّم- مرفوعًا، وقال الألباني: حسن. ومعنى (تُنفق فيه الكريمة): أي كرائم المال وأفضله، ومعنى: (وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشريك):  يَعْنِي: يُحسن المجاهد فيه معاشرة رَفِيقِه، ويأخذ باليسر والسهولة معه. ومعنى (لا يرجع صاحبه كفافًا) أي: لا يرجع بخير أو بثواب يغنيه.

ما جاء فيما أعطي الغازي بمسألة أو بغير مسألة:

قال عبد الملك بن حبيب[ 2 ]: “اجتمع أهل العلم على كراهية المسألة للغازي غنيًّا كان أو فقيرًا، إن كان غنيًّا فليغزُ بماله، وإن كان فقيرًا فليجلس في بيته فلم يُكلَّف ما لا يطيق.

وما أعطي الغازي من غير مسألةٍ ففيه اختلافٌ من أهل العلم: منهم من قال -وهم الأكثر- لا بأس أن يقبل الغازي ما أُعطي من غير مسألةٍ غنيًّا كان أو فقيرًا، إن احتاج إليه أنفقه، وإن استغنى عنه فرّقه في سبيل الله.

ومنهم من قال: لا ينبغي للغازي أن يقبل ما أُعطي وإن كان من غير مسألةٍ إذا كان غنيًّا عنه، وليغزُ بماله فهو لثوابه، وهذا أحوط القولين وأحبّه إليّ.

وأما الفقير والضعيف فمجتمَعٌ عليه أنّه لا بأس أن يقبل ما أعطي من غير مسألةٍ، وذلك أفضل من تركه؛ لما فيه من القوّة في سبيل الله.

وليستنفقه في سبيل الله كما أُعطيه، ولا يحلّ له أن يتأثّله[ 3 ] مالًا في غير سبيل الله أو ينفقه في أهله، أو يصرفه عن الوجه الذي أعطيه له وفيه وهو سبيل الله، إن قَفَلَ[ 4 ] من غزوه وقد فضلت منه فضلة فلا بأس أن ينفقه في قَفْله، فإن كان في ذلك فضل عما يكفيه في قفله فليفرّق ذلك الفضل في سبيل الله قبل قفله، أو يرّده إلى صاحبه الذي أعطاه إيّاه، إلّا أن يكون الذي يفضل منه تافهًا يسيرًا، فلا بأس أن يأكله في أهله”.

ما جاء في ارتباط الخيل والغزو عليها

  1. قال عليه الصلاة والسلام: (من ارتبط فرسًا في سبيل الله[ 5 ]، إيمانًا بالله، وتصديقًا بموعد الله، كان شِبعه وريّه وبوله حسناتٍ في ميزانه يوم القيامة). صحيح البخاري (2853).

قال تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245]، وقال: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274].

ما جاء في الإنفاق في سبيل الله والتقوية:

  1. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261]: “إنّ ذلك على الذين ينفقونها على أنفسهم في سبيل الله ويخرجون”.

ثم قال في الذين يُقوُّون في سبيل الله: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة: 262].

قال عبد الرحمن بن زيد: “فشرط على هؤلاء ولم يشترط على الخارجين شيئًا”[ 6 ]. تفسير ابن عطية (1/ 356).

ما جاء في الرمي واتخاذ العدة والسلاح في سبيل الله.

  1. قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (من رمى العدوّ بسهمٍ في سبيل الله، فبلغ سهمه أصاب أو أخطأ فعِدل رقبةٍ). سنن النسائي (٣١٤٥)، سنن الترمذي (١٦٣٨)، سنن ابن ماجه (2812)، مسند أحمد (19437)، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الأرناؤوط في تحقيق سنن ابن ماجه. والمعنى: له من الثواب ما يعادل عتق رقبة.
  2. قال ابن عباسٍ رضي الله عنه في قول الله عز وجل: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال:60]. فالقوّة: السلاح كلّه، والعدّة في سبيل الله، ومن القوة تعلّم الرمي بالقوس.

ما يؤمر به الغزاة وما ينهون عنه:

  1. كان الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- إذا بعث جيشًا أو سريّةً قال: (اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليدًا). صحيح مسلم (١٧٣١).
  2. وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا بعث الجيوش أوصاهم بتقوى الله، وبلزوم الحقّ والصبر، وقال: “امضوا بتأييد الله، وقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين، ولا تَجْبُنوا عند اللقاء، ولا تُمَثِّلوا عند القدرة، ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأةً ولا وليدًا ولا تغلّوا عند الغنائم”. سنن سعيد بن منصور (2476).
  3. ومما أوصى به أبو بكرٍ الصديق -رضي الله عنه- يزيد بن أبي سفيان حين بعثه بجيشٍ إلى الشام، قال: “لا تقتلنّ امرأةً ولا صبيًّا ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعنّ شجرًا مثمرًا، ولا تخربنّ عامرًا، ولا تعقرنّ شاةُ ولا بعيرًا إلا لمأكلةٍ، ولا تحرقنّ نحلًا ولا تغرقنّه، ولا تغلل، ولا تجبن”. موطأ مالك (1627)، السنن الكبرى للبيهقي (18148)، شرح السنّة للبغوي (2696).

قال ابن حبيب: “إنما نهى عن تحريق الشام وخرابها؛ لأنّه علم أنّها صائرةٌ للمسلمين بما أعلمهم به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأراد أبو بكر بقاءها للمسلمين وتوفيرها عليهم، ولم يرد أبو بكر -رضي الله عنه- بنهايته عن ذلك أن يبقيه للروم ويربيه ويمنع لهم نواحيه ليكون لهم نفعه”.

قال: “وكل ما كان للمسلمين اليوم من بلد العدو وعامرهم على شبيهٍ بالإفاءة عليهم والمقدرة منهم على أهله وقوي الرجاء والأمل في صيرورة ذلك إلى الإسلام وأهله، فإنّه لا يخفى، ولا يعمل فيه على ما الضرر فيه على أهله، وقد يكون المسلمون غدًا أهله، فأمّا كل بلدٍ داخل في أرض العدوّ ولا يطمع المسلمون أن يحوزوه لبعده وانقطاعه في أرض العدو، فمجتمع عليه من أهل العلم أنّه لا بأس بتخريب حصونهم ودورهم وعامرهم، وقطع شجرهم المثمر وغيره، وعقر دوابّهم ومواشِّهم، وإفساد أطعمتهم، وإحراق نحلهم وتغريقها، وإخفاء كل ما ملكوا واستئصاله؛ لأنّ ذلك ذلٌّ وصغارٌ ونكايةٌ وغيظٌ”.

  1. وقال ابن عمر: (نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ) صحيح البخاري (٢٩٩٠)، صحيح مسلم (١٨٦٩). والعلّة في ذلك: الخوف على المصحف أن يقع في يد العدوّ فينالون منه.

قال عبد الملك: “وذلك لما يُخشَى من تَعبِيثِهِم واستهزَائِهِم وَتَصغيرِهم ما عَظَّمَ اللَّهُ مِن حُرمَتِهِ”.

ما جاء في رمي العدوّ بالنار والمجانيق وقطع الماء والمير[ 7 ] عنهم

  1. قال معاذ بن جبل: (بعثني رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في سريّةٍ إلى اليمن، وقال: إنِ الله أمكنك من فلانٍ فحرّقه بالنار، فلمّا ولّيتُ قال: ردّوه، فقال لي: ما قلت لك؟ قال: قلت لي: إنِ الله أمكنك من فلانٍ فحرّقه بالنار، قال: قلتُ ذلك وأنا غضبانٌ، وليس ينبغي لأحدٍ أن يعذّب بعذاب الله، فإن قدرت عليه فاضرب عنقه، فإنّما بعثت بضرب الرقاب وشدّ الوثاق). سنن سعيد بن منصور (2644) بلفظ قريب منه، والدارمي (2504) من حديث أبي هريرة بنحوه.

وذكر عبد الملك أنّه سمع أهل العلم يقولون: إنّما تأويل هذا الحديث فيمن أُسر أسرًا أو حُرِّق بالنار صبرًا، فأمّا إذا تحصّن العدو في بعض حصونهم ولم يخلص إليهم إلا بالنار فلا بأس أن يرُمَوا بها ويحرق عليهم حصنهم.

قال ابن حبيب: “وذلك ما لم يكن معهم في حصنهم النساء والأطفال، وإنّما هم للمقاتلة من الرجال؛ فعند ذلك يجوز رميهم بالنار، فأمّا إذا كان معهم النساء والأطفال، فلا يحلّ أن يُرموا بالنار، وكذلك إذا كان معهم في حصنهم أحد من أسرى المسلمين فلا يحلّ رميهم بالنار كان معهم الأطفال أو لم يكن؛ لأنّ الله -تعالى- قال في أهل مكة يوم صرف النبي -صلّى الله عليه وسلّم- عنهم: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25]. وذلك لمن كان معهم من المسلمين”.

وقال: “ولا بأس أن يُرمى العدوّ في حصونهم بالمجانيق، وأن يُرسل عليهم الماء ليغرقوا به، وأن يقطع عنهم إذا كان مجراه إليهم، وأن يقطع المير عنهم، وسواء كان معهم النساء والأطفال أو لم يكونوا، ما لم يكن فيه أسرى المسلمين”.

ما جاء فيمن غلّ[ 8 ] في سبيل الله:

  1. قال أبو هريرة رضي الله عنه: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم- عام حنين[ 9 ] فلم نغنم ذهبًا ولا ورِقًا، إلا الأموال والثياب والمتاع، فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- غلامًا يقال له: مِدْعَمٌ. فوجّه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلى وادي القرى، حتى إذا كنّا بوادي القرى بينا مِدعمٌ يحطّ رحل رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إذ جاءه سهمٌ عائرٌ[ 10 ] فأصابه فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنّة، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (كلا والذي نفسي بيده، إنّ الشملة[ 11 ] التي أخذ يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا، فلمّا سمع الناس ذلك، جاء رجل بشراكٍ أو شراكين[ 12 ] إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (شراكٌ من نارٍ، أو شراكان من نارٍ). صحيح البخاري (٤٢٣٤)، صحيح مسلم (١١٥) بنحوه.
  2. وتوفي رجل يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: (صلّوا على صاحبكم)، فتغيرت وجوه القوم لذلك، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إنّ صاحبكم قد غلّ في سبيل الله)، قال زيد بن خالد الجهني: ففتحنا متاعه، فوجدنا فيه خرزات من خرز يهود ما تساوي درهمين). سنن أبي داود: (٢٧١٠)، سنن ابن ماجه (2848) وقال الأرناؤوط: إسناده محتمل للتحسين، صحيح ابن حبان، حديث رقم: (٤٨٥٣).
  3. وقال ابن عباس رضي الله عنه: “ما ظهر الغلول في قومٍ قطّ إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب … ولا ختر[ 13 ] قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو”. موطأ مالك (1670).
  4. وقال عليه الصلاة والسلام: (ردّوا الخياط والمخيط فإنّ الغلول نارٌ وعارٌ على صاحبه يوم القيامة). موطأ مالك (1666)، مسند أحمد (22699).

ما جاء في فضيلة الحارس في سبيل الله وما يستحب من التكبير

قال عبد الملك: “والحرس هم المرابطون أو الغزاة أو السرية، وحارس الحرس الذي يحرسهم”.

  1. قال عليه الصلاة والسلام: (كل عين باكيةٌ يوم القيامة إلا عينًا حرست في سبيل الله، وعينًا غضّت عن محارم الله، وعينًا بكت من خشية الله). الجهاد لابن أبي عاصم (148)، المخلصيات (2819)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/163).

قال عبد الملك: “سمعت أهل العلم يكرهون التطريب[ 14 ] في العسس في الحرس في سبيل الله، وينهون عنه، ويستحبون ما سهل من ذلك ولم يبغِ فيه صاحبه، ولا بأس أن يجزئه، ورأيتهم يكرهون من ذلك أن يتقدمهم في ذلك واحد بالتكبير أو بالتهليل، ثم يجيبه الآخرون بنحو من كلامه جمًا غفيرًا، ولكن يهلّل ويكبّر كل رجلٍ منهم لنفسه على حال نيتّه ورغبته، ولا بأس أن يرفع بذلك صوته، أو يفعل ذلك الواحد وينصت له الآخرون إن أحبّوا”.

قال: “ورأيت أهل العلم يستحبّون التكبير في العساكر والثغور والمرابطات دبر صلاة العشاء، وصلاة الصبح تكبيرًا عاليًا ثلاث تكبيراتٍ، ولم يزل ذلك من شأن الناس قديمًا”.

ما جاء من الثواب في الصلاة والصيام والذكر في سبيل الله

  1. قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (الغازي والحاجّ والمعتمر وفد الله[ 15 ]، ما أهلّ مهلّلٌ، وما كبّر مكبّرٌ إلّا بُشِّرَ)، قالوا: بماذا يا رسول الله؟ قال: (بالجنّة). أخرج الجزء الأول منه (الغازي والحاجّ والمعتمر وفد الله) بلفظ قريب: النسائي (2625) وصححه الألباني، صحيح ابن خزيمة (2511) وصححه الأعظمي، صحيح ابن حبان (3692) وصححه شعيب الأرناؤوط.
  2. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (من صام يومًا في سبيل الله بعّده الله من النّار سبعين خريفًا). صحيح البخاري (٢٨٤٠)، صحيح مسلم (١١٥٣).

ما يستحب من القول عند الخروج وعند النزول وعند دخول القرى:

  1. (كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- إذا استوى على بعيره خارجًا في سفرٍ كبّر ثلاثًا وقال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 13-14]. اللهمّ إنّا نسألك في مسيرنا هذا التقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم ازو لنا الأرض وهوّن علينا سفرنا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال). وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده). صحيح مسلم (1342)، (1344).
  2. ولـمّا أَشرَفَ -عليه الصلاة والسلام- على خيبر قال لأصحابه: (قِفُوا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَتْ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا. ثمّ قال: ادْخُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ) وجاء عنه عليه الصلاة والسلام: أنّه كان يقول ذلك عند كل قرية يريد دخولها في سفره. صحيح ابن خزيمة (2565) وقال الألباني: حسنٌ لغيره، صحيح ابن حبان (2709) وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن، والطبراني في المعجم الكبير (7299).
  3. وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول: (من نزل منزلًا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق، فإنّه لا يضره شيء حتى يرتحل). صحيح مسلم (٢٧٠٨).
  4. وكان -عليه الصلاة والسلام- إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: (يا أرضُ: ربّي وربّكِ الله، أعوذ بالله من شرّك، ومن شرّ ما فيك، وشرّ ما دبّ عليك، أعوذ بالله من شرّ كل أسدٍ وأسودٍ وحيّةٍ وعقربٍ، ومن ساكن البلد، ومن شرٍ والدٍ وما ولد). مسند أحمد بن حنبل (6161) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، سنن أبي داود (٢٦٠٣) وضعفه الألباني، والحاكم في المستدرك (2487) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

النهي عن القتال على الشيء يجعله الإمام:

قال ابن حبيب: “وسمعت أهل العلم يكرهون لوالي الجيش أن يجعل لمن أصاب شيئًا ثلثه أو ربعه، أو أن يقول: من قاتل في موضع كذا وكذا فله كذا، أو يقول من قتل من العدو واحدًا فجاء برأسه فله كذا وكذا، ولا يحلّ للإمام أن يفعله؛ لأنّ ذلك ممّا يفسد نيّات الناس، ولا يحلّ لأحدٍ أن يقاتل على هذا، ولا يتعرض لسفك دمه في طلبه”.

قال ابن حبيب: “وإنّما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- يوم حنينٍ: (من قتل قتيلًا له عليه بيّنةٌ فله سلبه)، بعد الفتح والغنيمة، وإنّما نفل من نفل يوم خيبر من الخمس، وأما من نفل من رأس الغنيمة فهو غلولُ لمعطيه وآخذه”.

وقد استحبّ بعض أهل العلم إن احتاج الإمام إلى ذلك قبل الفتح والغنيمة ورأى موضعه، مثل أن يرى القلّة في أصحابه، والكثرة في عدوه، أن ينادي على وجه التحريض: من قتل قتيلا فله سلبه، وأشباه ذلك، وكرهوا للرجل في خاصّة نفسه أن يقاتل على ذلك.

ما جاء في الفرار من الزحف والانحياز إلى الفئة وحمل الواحد على الجماعة:

قال ابن حبيب في قول الله تبارك وتعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15-16]. وفي قوله: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 65]؛ قال: “فكأن الله -تبارك وتعالى- قد أمر المسلمين في هذه الآية أن يصبروا لعشرة أمثالهم، ثم نسخ ذلك -عزّ وجلّ- وخففه رأفةً ورحمةً بعباده المؤمنين، فجعل ذلك إلى الضِّعف، ولم يجعل للضعف من المؤمنين سعة في التولية والفرار من الضعفين من عدوّهم من المشركين”.

قال ابن حبيب: “وفي تأويل الضِّعف اختلاف من أهل العلم: فمنهم من قال وهو الأكثر: إنّما هو الضِّعف في العدد وليس في القوّة والجلد، ولا يحل للرجل من المسلمين أن يفرّ من الرجلين، ولا للمائة أن تفرّ من المائتين وإن كانوا أشدّ منهم سلاحًا وأظهر جلدًا وقوّةً، إلا أن يكونوا في أرض العدوّ وبموضع مادّتهم وبعدٍ من مادّة المسلمين، فهم يخافون استجاشة العدوّ وتكاثرهم عليه، فلهم عند ذلك في الانحياز عنهم والتولية منهم سعة”ٌ.

ومنهم من قال: ليس الضِّعف في العدد، وإنّما هو في القوّة والجلد، فلو أنّ مئةً من المسلمين في قوة وجلد لقوا الثلاث مائةٍ، والخمس مائةٍ، وأكثر من ذلك من المشركين ليسوا مثلهم في قوّتهم وجلدهم وشدّ سلاحهم، ما حلّ لهم الانحياز منهم، ولا التولية عنهم، إذا كانت لهم بمثلهم قوّةٌ واستضلاعٌ.

ولو أنّ مئةً من المسلمين في ضعفٍ من أبدانهم ومن دوابّهم ومن سلاحهم لقوا أقلّ من المائتين من المشركين أظهر منهم قوةً وجلدًا وأشدّ سلاحًا وأقوى خيلًا بالأمر البائن الظاهر المجاوز للضعف، كانوا في سعة من الانحياز عنهم والتولية منهم، فإنّما الضِّعف في القوّة والجلد وليس في العدد.

قال ابن حبيب: “ولا بأس أن يحمل الرجل وحده على الكتيبة وعلى الجيش إذا كان ذلك منه لله، وكانت فيه شجاعة وجَلَدٌ وقوّة على ذلك، وذلك حسنٌ جميلٌ، لم يكرهه أحدٌ من أهل العلم، وليس ذلك من التهلكة، وإذا كان ذلك منه للفخر والذكر فلا يفعل وإن كانت به عليه قوّةٌ، وإذا لم يكن به عليه قوّةٌ فلا يفعل وإن أراد به الله؛ لأنّه حينئذ يلقي بيده إلى التهلكة”.

ما يجوز فيما أصيب من طعام العدو وما لا يجوز:

وقد مضت السنّة فيما أصابه المسلمون من طعام العدو أنّ من أصابه أحقّ بأكله دون غيره من الجيش، إلا أن يشاء أن يواسي فيه طوعًا، أو يكون فيه فضلٌ عن حاجته، فيواسي في الفضل، ولا بأس أن يستنفق منه إن شاء إلى مُنْصَرفه، وإن فضل منه بعد مُنْصَرفه تصدّق بما فضل منه، ولا يجوز له أن يستنفقه في أهله، إلا أن يكون الشيء التافه خطرُه، اليسير قدرُه، مثل الكعك والقديد اليسير وما أشبه ذلك، فلا بأس أن يأكله الرجل في أهله.

قال ابن حبيب: “ولا بأس بما لتّ من السويق بسمن العدوّ وعسلهم، وكذلك لا بأس بأكل جبن الروم وأشباههم من عدو أهل الكتاب، ولا يُؤكل جبن المجوس، وما أصيب من العلف في أرض العدو فسبيله سبيل ما وصفنا في الطعام: لا يجوز لمن أصاب شيئًا من ذلك بيعه، ومن جهل فباعه فقد وجب في ثمنه خمس الله وسهمان المسلمين.

ولا بأس بالقوم يصيب بعضهم القمح، ويصيب غيرهم الشعير، أو يصيب بعضهم العسل وبعضهم السمن، فيريد أحدهم أن يعطي صاحبه قمحًا ويأخذ شعيرًا، أو يعطي عسلًا ويأخذ سمنًا أو لحمًا أو ما أشبه ذلك، فقد استخفّ ذلك أهل العلم ولم يروه بيعًا، وإنّما هو على وجه المواساة من بعضهم لبعضٍ”.

ما يجوز من ركوب دواب الغنيمة والانتفاع بثيابهم وسلاحهم وما لا يجوز:

وقد مضت السنّة أنّه لا بأس أن يرتفق الناس بما أصابوا من خيل دوابّهم وثيابهم ونبلهم وسلاحهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وعلى صاحب الـمُقَسَّمِ أن يوفق به من استرفق إلى أن يرجع ذلك إليه.

قال: “ومن وجد من ذلك شيئًا قبل أن يصير إلى صاحب الْمُقَسَّمِ فله أن ينتفع به إذا احتاج إليه ثم يردّه.

ولا ينبغي لأحد أن يستمتع بذلك على غير حاجة إليه ولا اضطرار، إلّا طلب الاختصاص به واغتنام الانتفاع به، فإنّ ذلك مكروه منهي عنه”.

ما يجوز حمله من أرض العدو ولا يدخل في المقاسم، وما لا يجوز:

قال عبد الملك: “أحسن ما سمعت أهل العلم يقولون فيما يجوز للرجل الاختصاص به ممّا أصابه في أرض العدو ولا يدخله المقاسم: أنّ كل شيءٍ صنعه الرجل في أرض العدو من سرجٍ نحته، أو سهمٍ براه، أو مشجب صنعه، أو قداحٍ برأها، أو نشّاب أو عصًا أو قدحٍ أو قصعةٍ أو ما أشبه هذا عمله من خشبهم المباحة التي مَنْ شاء أخذها، وهي كذلك غير مصنوعةٍ لا ثمن لها هنالك مباح مطروح لا ثمن له؛ فذلك كلّه له، أخرجه لمنفعته أو للبيع، أو باع ما عمل بيده من ذلك في العسكر فذلك له لا حرج عليه، ولا سبيل إليه في شيء من ذلك عظم شأنه أو صغر، قلّ ثمنه أو كثر، لأنّه إنّما ارتفع ثمنه واعتدّ به لصنعته التي أحدث فيها.

وكلّ ما وجد من ذلك معمولًا مصنوعًا في بيوت العدوّ قد حازُوه إليهم وصار في أيديهم، فلا يحلّ أن يختص بشيءٍ منه كائنًا ما كان وإن دقّ شأنه.

إلا ما جوّز له من الانتفاع بذلك في حالته تلك ثم يردّ في المقاسم، فإن بقي منه شيء لم يعلم به وقد فاتت المقاسم تصدّق به ولم يجز له حبسه وإن دقَّ.

وما صاده الرجل في أرض العدو من طير الأكل والوحش والحيتان فهو أحق بأكله وحبسه والخروج به إلى أهله إن شاء، فإن أراد بيع شيء من ذلك في العسكر، فأحب إليّ أن يواسي به ولا يبيعه، فإن باعه فهو أحقّ بثمنه، وليس عليه أن يجعله في المغانم، لأنّه إنّما صار ثمنًا باصطياده إياه، وهو ممّا لم يكن العدو ملكوه ولا حازُوه، ولا كان مالا من أموالهم، فالفرق فيه بيِّن إن شاء الله”.

ما يجوز للغزاة أكله من ثمر القرى الخالية وما لا يجوز.

قال عبد الملك: “سمعت أهل العلم يقولون: إذا غزا المسلمون فوجدوا قرى للمسلمين أو لأهل الذمّة قد أجلى الغزو منها أهلها، وطال جلاؤهم، ويئسوا منها، فلا بأس أن يصيب الناس تلك الفواكه، وإن كان الأمر لم يطل جدًا، ولم ينقطع رجاء أهلها منها، أو رجاء ورثة أهلها الذين جلوا عنها، فلا يحلّ لأحدٍ أن يصيب منها إلا على حال الاضطرار”.

ما يكره من الوحدة في السفر ويستحب من هيئة السير:

  1. قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (الراكب شيطانٌ، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركبٌ)[ 16 ]​. سنن أبي داود، (٢٦٠٧)، سنن الترمذي (١٦٧٤) وقال: حسن صحيح ، سنن النسائي (٨٧٩٨).
  2. وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا سرتم في الخصب فأمكنوا الدوابّ من أسنانها، ولا تجاوزوا المنازل، وإذا سرتم في الجدب فعليكم بالدلج، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإذا تغوّلت لكم الغيلان، فنادوا بالآذان، وإياكم والتعريس على جواد الطرق والصلاة عليها، فإنها مأوى الحيات والسباع، وقضاء الحاجة)[ 17 ]. مسند أحمد بن حنبل (14277)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره دونَ قوله: (وإذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان). وأصله في صحيح مسلم (1926).

ما جاء في غزو الرجل بغير إذن أبويه، وجهاده في الدَّين:

  1. عن عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليبايعه على الجهاد، فقال: يا رسول الله: لقد جئتك وإن أبوي ليبكيان، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما). سنن أبي داود (2528) سنن النسائي (٤١63) بلفظ: (أبايعك على الهجرة).
  2. وقال الحسن في الأبوين إذا أذنا في الغزو: “إن كنت تعلم أنّ هواهما في المقام فأقم”.
  3. وذكر عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، عن أبيه: أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قام فيهم، فذكر أنّ الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، أيكفّر ذلك عني إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر، أيكفّر ذلك عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (نعم إلّا الدين، كذلك قال لي جبريل). صحيح مسلم (1885) بنحوه.

قال عبد الملك: “قد كان مالكٌ يوسّع على ذي الدين أن يغزو إذا خلّف وفاءً من دينه، أو أذن له غرماؤه بالخروج إن لم يدّع وفاءً من دينه”.

ما جاء في الجهاد مع ولاة السوء:

روى سحنون، عن ابن القاسم أنّه قال: “بلغني أنّ مالكًا كان يكره جهاد الروم مع هؤلاء الولاة، فلما كان زمان مرعش[ 18 ] وصنعت الروم ما صنعت رجع عن قوله وقال: لا بأس بالجهاد معهم، وأنّه لو ترك الجهاد معهم لكان ضررًا على أهل الإسلام”.

وهذا الذي رجع إليه مالك هو الذي عليه أئمة المسلمين وجماعتهم.

قال ابن حبيب: “سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالجهاد مع الولاة وإن لم يضعوا الخمس موضعه، وإن لم يوفوا بعهدٍ إن عاهدوا وإن عملوا ما عملوا، ولو جاز للناس ترك الغزو معهم لسوء حالهم لاستذل الإسلام وتخرمت أطرافه، واستبيح حريمه، ولعلا الشرك وأهله”.

  1. عن مكحول قال: قيل لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث أدركوا ما أدركوا من الظلم: أتغزو مع هؤلاء وهم يفعلون ويفعلون؟ فكلهم قال: اغْزُ على سهمك من الإسلام، فإن غَلُّوا فلا تَغْلُلْ، وإن خانوا فلا تخن، وإن أفسدوا فلا تفسد، وإن عصوا فلا تعصِ، قاتل على حظّك من الآخرة، ودعهم يقاتلوا على حظّهم من الدنيا، وإياك وأذى المؤمنين.
  2. وحدثني أسد، عن موسى، عن هشام بن حسان، عن الحسن، وابن سيرين، أنهما كانا يقولان: “الغزو مع أئمة السوء لنا شَرَفُهُ وذُخرُهُ وفضلُهُ وأجرُه، وعليهم مأثَمُهُم”.

ما جاء في فضائل الشهداء وثوابهم:

  1. قال أبو هريرة رضي الله عنه، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (الشهيد لا يجد أَلَمَ القتل إلا كما يجد أحدكم أَلَمَ القرصة). سنن الدارمي (2452). سنن الترمذي (١٦٦٨)، سنن النسائي (٣١٦١)، سنن ابن ماجه (2802) مسند أحمد (7940) بلفظ: (مسّ) بدل (أَلَم).

ما جاء في فضيلة الرباط:

  1. قال عليه الصلاة والسلام: (رباط الرجل ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلةٍ في أهله يقوم لياليها لا يفتر ويصوم نهارها لا يفطر). بلفظ قريب منه: سنن ابن ماجه (2766)، مسند أحمد بن حنبل (433)، وقال الشيخ شعيب الأرناوؤط: حسن.

1 – مستفاد مما كتبته محققة الكتاب: د. عائشة السليماني، أستاذة العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر.
2 – هو الإمام العلّامة فقيه الأندلس: عبدالملك بن حبيب السلمي، كان حافظًا للفقه على مذهب مالك، نبيهًا فيه، توفي سنة 238هـ.
3 – يقتنيه ويدّخره.
4 – رجع.
5 – معنى ارتبط أو (احتبس كما عند البخاري) أي هيّأه وأعدّه للجهاد في سبيل الله.
6 – المعنى: أّن عبدالرحمن بن زيد يرى أنّ الآية الأولى نزلت فيمن يجاهد بنفسه وينفق ماله في سبيل الله، وأنّ الآية الثانية في الذين لا يخرجون للجهاد بأنفسهم، وينفقون أموالهم لتجهيز المجاهدين وتقويتهم، فاشترط -سبحانه- لقبول صدقاتهم ألا يتبعوها بالمنّ والأذى.
7 – المير جمع مِيْرَة، وهو الطَّعَام، وقيل هو الطعام الذي يجلبه الإنسان للأكل أو التجارة، وقيل هو الطعام الذي يجمع للسَّفر وَنَحْوه.
8 – الغلول: أخذ الأموال بغير ِحقها، والغلول في المعركة: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها.
9 – الصواب: عام خيبر، كما جاءت به الروايات، ونبّه عليه ابن عبدالبر في التمهيد (2/4).
10 – طائش لا يُعرف راميه.
11 – الشملة: كِساء من صوف أو شعر يُتَغَطَّى به ويُتَلَفَّف به.
12 – الشِّرَاكُ: سيْرُ النَّعْلِ على ظهر القدَم.
13 – يعني: غدرَ.
14 – يعني: رفع الصوت ومدّه بالتكبير أثناء الحراسة.
15 – أي الذين يقدمون على الله فيكرمهم.
16 – قال ابن حجر: ” معنى قوله (شَيْطَانٌ) أي: عَاصٍ … وقيل في تفسير قوله (الراكب شيطان) أي سفره وحده يحمله عليه الشيطان، أو أشبه الشيطان في فعله. وقيل إنّما كره ذلك لأنّ الواحد لو مات في سفره ذلك لم يجد من يقوم عليه، وكذلك الاثنان إذا ماتا أو أحدهما لم يجد من يعينه، بخلاف الثلاثة ففي الغالب تؤمن تلك الخشية”. وقال الخطابي: “معناه والله أعلم: أنّ التفرّد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، أو هو شيءٌ يحمله عليه الشيطان ويدعوه إليه، فقيل على هذا إن فاعله شيطان، ويقال إن اسم الشيطان مشتق من الشطون وهو البعد والنزوح، يقال بئر شطون إذا كانت بعيدة المهوى فيحتمل على هذا أن يكون المراد أن الممعن في الأرض وحده مضاه للشيطان في فعله وتشبّه اسمه. وكذلك الاثنان ليس معهما ثالث، فإذا صاروا ثلاثة فهم ركب أي جماعة وصحب”.
17 – (الخصب): كثرة العشب، (فأمكنوا الدوابّ من أسنانها): اتركوها تأكل، (ولا تجاوزوا المنازل): أي الأمان المعتادة للنزول، (الجدب): قلة المطر والزرع، (فعليكم بالدلج): السير ليلًا، (الغيلان): الجن، (التعريس): نزول المسافر آخر الليل للاستراحة، (جواد الطرق): وسطها.
18 – مرعش مدينة كانت بالثغور بين بلاد الشام وبلاد الروم، فتحها خالد بن الوليد رضي الله عنه، ثم حاصرها الروم أيام خلافة مروان واحتلوها، ثم حرّرها مروان مرّة ثانية، ثم سقطت مرة أخرى بيد الروم أيام فتنة بني أميّة، فأعادها صالح بن عليّ في خلافة المنصور.
(المصدر: موقع على بصيرة)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى