تقارير وإضاءات

اقتلوهم جميعًا .. قصة محاكم التفتيش الأوروبية

إعداد هشام فهمي

تقول إن الدولة لا يمكنها أن تُعاقِب أحداً باسم الرب. لكن، ألم يُرسل كل من موسى وفينحاس عَبدةَ عجل الذهب ورافضيْ الدين الصحيح إلى الموت؟

هذه المقولة للقديس أوبتاتوس الجزائري من القرن الرابع الميلادي تُلخص الكثير من منطق تعامل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية مع مخالفيها ابتداءً من القرن الرابع الميلادي وحتى القرن التاسع عشر. فالكنيسة الكاثوليكية الرومانية قدمت نفسها على أنها مكوَّنة من بابوات وأساقفة وخط كنسي يستمد سلطته من سلطة رُسل المسيح مباشرةً، والذين يستمدون سلطتهم من المسيح نفسه بدورهم؛ فالكنيسة تستمد سلطتها من المسيح، وتسعى لحفظ مملكته على الأرض. ووفقًا لهذا التصور، تُرى ما عساه يكون حال من يُخالفها؟

لقد كانت الإجابة الحاضرة لدى الكنيسة هي: محاكم التفتيش!


محاكم التفتيش: لماذا؟

قبل القرن الرابع الميلادي، وتحديدًا قبل «مجمع نيقية» عام 325م، كان الإيمان الكاثوليكي ذائع الصيت في الغرب الأوروبي بعامةٍ. وإلى جانب هذا الإيمان الكاثوليكي نمت عدة آراء وحركات تخالفه، لكن كان أقصى ما يُعتمد ضد هذه الآراء المُخالفة هو الشجب والتنديد، وبحلول عام 325م أعلن الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول تحوّله إلى المسيحية، واعتُمد المعتقد الذي مثلته الكنيسة وقتذاك على أنه المعتقد الرسمي والممثل للوحيد لكل من: المسيحية، والإمبراطورية، وهنا مثَّـلت الآراء المخالفة لهذا الإيمان، ولأول مرة، تهديدًا لاستقرار الإمبراطورية. كذلك مثلت تلك الآراء تهديدًا يجب دفعه من قبل الكنيسة؛ وبالتالي، أُصدرت قوانين رسمية بحقّ المخالفين، ووجدت تلك القوانين تأييدًا من اللاهوتيين المسيحيين الرسميين مثل القديس أوغسطين، والقديس أوبتاتوس. وإلى تلك اللحظة كانت هذه القوانين والآراء مبنية على مبدأ الحرمان الكنسي؛ بمعنى أن المخالف للديانة الرسمية يُعلن رسميًا على أنه قد طُرد من مملكة الرب، ويمكن أن تؤخذ ضده إجراءات تقويمية.

وبمرور الوقت، ترسّخت هذه الممارسات ونمَت، ولكن ظلّ هناك تساؤل مطروح: لمن اليد العليا؛ للبابا أم للإمبراطور؟ بحلول القرن الثالث عشر، كان المناخ العام مستعدًا لتقديم فرصة سانحة للبابا كي يجيب عن هذا السؤال بحسم شديد. فمن جهة، كان الإمبراطور بحاجة لإجراء حملة صليبية مما يعني حاجته الشديدة لمباركة البابا. ومن جهة أخرى، بدأ مبدأ الحرمان الكنسي يفقدُ قوّته بعدما فقدت الجماعات خوفها منه؛ نظرًا لأن إجراءاته التقويمية لم تصلْ لحد العقاب الجسدي الشديد حتى ذلك الوقت؛ مما دفع بعض الحركات للتصريح بمعتقداتها المخالفة للمعتقدات الرسمية للكنيسة دون خوف أو تردد.

هذا المناخ العام دفع البابا غريغوري التاسع  إلى تقديم فكرة «محاكم التفتيش» الممنهجة، والتي تتمتع بآليات عقابية لأول مرة. ثم لم يكتفِ بالفكرة، بل حوّلها إلى قانون فاعل في القلب من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وللبرهنة العملية على قوة الكنيسة المكتسبة من هذا المناخ، قام غريغوري التاسع بعقد «مجمع تولوز» عام 1229م. الذي وصم فيه «الكاثاريين» بالهرطقة، وأعطى سلطات واسعة «الشهود الكنسيين» كي يلاحقوا بموجبها الكاثاريين، ثم من يُقبض عليه وتثبت عليه «التهمة» فقد يصل عقابه إلى الإعدام بالحرق علنًا،  ثم في عام 1235م. اُصدر قرارًا مشابهًا لقرارات مجمع تولوز ولكن هذا المرة في ألمانيا.


«الكاثاريون»: العدو الذي أطلق «المفتش الأكبر»!

كانت جل الحركات المخالفة للمعتقد الرسمي للكنيسة قبل القرن الثالث عشر الميلادي حركات غير منظّمة، ويعوزها الانضباط والتمكن من الحجج؛ مما جعل التعامل معها أمرًا سهلًا. ولعل هذا ما أثار لدى اللاهوتيين الرسميين اعتقادًا بأن الهرطقة ما هي إلا جهل يمكن أن يُرفع إذا ما أُقيمت الحجة على من يؤمن بها. لكن مع اضطراب أوروبا، ومع تصاعد التوتر بين البابا والإمبراطور، ومع تراجع الخوف من مبدأ الحرمان الكنسي، ظهرت حركة جديدة تُخالف الحركات التقليدية؛ «الكاثاريون». إن الكاثاريين مجموعة منضبطة نشأت في فرنسا يقوم معتقدهم على التفرقة بين «إله الخير» الذي صنع هذا العالم وأرسل ابنه الوحيد لإيضاح الحقيقة للبشرية، و«الشيطان» الذي غزا مملكة إله الخير وحول هذا العالم إلى سجن تُحبس فيه الأرواح، ثم عمد إلى تحريف الإنجيل كي يُخفي تعاليم إله الخير. وزعم الكاثاريون معرفتهم الخاصة بالتعاليم الصحيحة، ودعوا إلى نبذ سلطة الكنيسة وإنشاء خط كنسي خاص بهم. لذا ليس من المستغرب أن تعدهم الكنيسة العدو الأول. وبالفعل، في عام 1209م. دعا البابا إنوسينت الثالث إلى حملة عسكرية تجاه الكاثاريين استمرت حتى عام 1229م.

هذه الحملة العسكرية عقدت الأمور على الكنيسة بشدة. فما حمل الجنود على الذهاب إليها سوى إعلان البابا أن من يمت منهم في هذه الحرب فإنه ناجٍ بصك الغفران، وأن هؤلاء الكاثاريين ما هم إلا هراطقة يجب أن يموتوا باسم الرب، لكن باستمرار الحملة مدة طويلة نظرًا لمقاومة الكاثاريين، أصبحت «صكوك الغفران» حملًا على خِزانة الكنيسة؛ مما جعل الكنيسة تتراجع عن منحها للناس كي يُقنعوهم بالالتحاق بالحملة. كذلك فقد وجد الجنود أنفسهم في موقف حرج إذ لم يكن باستطاعتهم التمييز بين الكاثاريين والكاثوليك؛ حتى إن الجنود سألوا مرةً آرنود آماوري مبعوث البابا: «ماذا نفعل؟ نحن لا نستطيع التمييز بين الخيِّـر والشرير!»، وكان جوابه:«اقتلوهم جميعًا؛ فالرب سيميز بينهم». هذه العوامل دفعت بالبابا غريغوري التاسع في عام 1229م إلى إنهاء الحرب، والبدء في تفعيل «محاكم التفتيش» كآلية استجواب للتمييز بين الكاثوليكي وغيره من جهة، وكآلية تُثبت قوة الكنيسة وتوفر عليها الأموال من جهة أخرى.

محاكم التفتيش على هذه الخلفية أسست عددًا من الممارسات الجديدة. فهي لم تعد تكتفي بإسداء النصائح في محاولة منها لرفع الجهل كما كان العهد في السابق، وإنما أنشأت مؤسسة تابعة للكنيسة تقوم بالتفتيش في الأنحاء كافة عن المخالفين بشكل يومي، ثم المخالف متى قُبض عليه يُجرى معه تحقيق فوري وتؤخذ ضده إجراءات قد تصل إلى الحرق. كذلك، فقد بدأت هذه المحاكم في محاولة فرض مظهر عام على الجميع كي يسهل عليها تمييز الكاثوليكي من غيره، واستمرت دائرة هذا المظهر العام في تضييق الخناق حتى صارت البلدان تخضع لكل تعاليم الكنيسة الظاهرية. ثم دُفع بمبدأ قانوني جديد، وهو: إمكانية الاكتفاء باعتراف الفرد على نفسه بأنه هرطيق؛ فقبل المحاكم كان لابد من وجود شاهد أو دليل، أما الآن فصار الاعتراف في حد ذاته دليلًا؛ وتبعًا لهذا فقد بدأت ممارسة التعذيب على من يُشتبه بهم لانتزاع اعتراف منهم، حتى وإن كان اعترافًا اسميًا. وجمعًا بين هذه الممارسات، قامت أيضًا بعقد الإعدامات العنيفة على الملأ وبمحضر من الكل؛ لتدعيم سلطة الكنيسة أمام العامة، ولبثّ الرعب في قلب من يُخالفها.


الانتشار

قضت محاكم التفتيش في القرن الثالث عشر الميلادي على «خطر» الكاثاريين، كما وطّدت بالفعل لسلطة البابا والكنيسة. لكن، ظهرت بعد هذه الصولة الباباوية عدة عقبات أمام محاكم التفتيش: فقد تقلّد منصب البابا رجال أُتهموا بالفساد وسوء استخدام منصبهم، كذلك انتشر الطاعون الأسود ولم تستطع الكنيسة تقديم تفسير له سوى إلقاء اللوم تارة على اليهود، وتارة على الساحرات؛ وهو الأمر الذي لم يُقنع في آخر الأمر؛ لأنه وعلى الرغم من ملاحقة المحاكم لليهود والساحرات لم يتوقف الطاعون. كذلك بدأت مرحلة الأنوار (Enlightenment)  في الظهور وأعقبتها النزعات القومية وبروز العلمانية، ثم ظهور مارتن لوثر كينغ وحركة الإصلاح البروتستانتية.

هذه العوامل أدت لظهور مرحلتين جديدتين من مراحل محاكم التفتيش: محاكم التفتيش الإسبانية (1478م-1834م)، والمحاكم الرومانية (1542م). فأما المحاكم الإسبانية، فقد تميَّزت إسبانيا دون أوروبا بوضعها الجديد؛ فهي الآن أرض فتحتها المسيحية وتسعى لتوطيد حكمها فيها، وما أجّج من نار محاكم التفتيش الإسبانية في تلك الفترة كان بسبب تحول الكثير من اليهود والمسلمين إلى المسيحية، الأمر الذي جعل القادة المسيحيين يتشككون في نوايا هؤلاء «المتحولين الجدد»؛ فأُقيمت المحاكم على نحو أعنف من محاكم غريغوري التاسع لتمييز المسيحي الكاثوليكي من مدعي المسيحية. ثم مع ظهور مارتن لوثر في ألمانيا وبدء الطباعة، ظهر خوف جديد من اللوثرية داخل إسبانيا فازدادت المحاكم عنفًا، حتى عام 1834م حين وصل الليبراليون إلى الحكم وأنهوا العمل بالمحاكم في إسبانيا.

وأما المحاكم الرومانية، فقد أججها الخطر الذي مثَّلَه لوثر من جهة، وضعف المحاكم وسلطة الكنيسة من جهة أخرى؛ نظرًا للعوامل السابق ذكرها. هذان العاملان دفعا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية لمحاولة إعطاء مزيد من السلطة للمحاكم عبر منحها الحق في منع الكتب وإعدامها، كذلك إعطاء البابا حق المراقبة على كل محكمة؛ مما يزيد من قوته. لكن الأمر لم يستتب للكنيسة، بل وصل ذروته مع حرب الثلاثين عامًا التي أعادت تشكيل أوروبا مع الإبقاء على الوجود البروتستانتي؛ وهو الأمر الذي أعلن رسميًا فشل محاكم التفتيش الرومانية. ولكن المحاكم لم تختفِ إلى يومنا هذا، وإنما غُـير اسمها؛ ففي عام 1908م. استبدل اسم «محاكم التفتيش» بـ«مجمع العقيدة والإيمان» وأصبح تابعًا للفاتيكان بسلطات محدودة تُمارس على المنتمين للكنيسة فقط، ثم في عام 1965م. أصبح اسمه «المجمع المقدس للعقيدة والإيمان».

فمحاكم التفتيش التي بدأت كرمز على قوة الكنيسة وقدرتها على إشاعة الخوف في كل مكان لصالحها، استطاعت أن تشكل تاريخ العالم بأسره عبر ما يقرب من سبعة قرون، وصولًا إلى نقطة تحولت فيها المحاكم إلى مجمع مقدس يرمز إلى انحصار دور الكنيسة وسلطتها. وبين هذين الرمزين يقف تاريخ هائل من الحروب والعذابات، تاريخ يفرض نفسه كي يُستفاد منه ومن تجاربه.

(المصدر: موقع إضاءات)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى