آخر الأخبار
ماكرون يخطط “لإسلام فرنسي” دون تأثير أجنبي
12 فبراير، 2018
معطِّلات “تسويق” النموذج الإسلامي للحكم
12 فبراير، 2018

التوازن في حياة المهتدين الجدد

بقلم د. محسن هريدي

 

من أكثر الأسئلة التي تدور في أذهان المهتدين الجديد: هل الدنيا والآخرة أعداء؟ هل السعي وراء الأمور الدنيوية يؤثر على إيمان الفرد بالآخرة؟ أم هل أن الحياة الدنيا والآخرة وجهان لعملة واحدة؟ هل يستطيع المهتدي الجديد الموازنة بين الاثنين؟

ولتوضيح موقف الإسلام من هذه الأمور نقول بأن الإسلام دين الوسطية في الأمور الدنيوية والأخروية. لقد خلقنا المولى عز وجل لهدف في هذه الحياة ولم يخلقنا عبثا. خلقنا الله لنعترف بوحدانيته ونعبده دون غيره. نقرأ في القرآن الكريم “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات:56)، ولو وقفنا على هذه الحقيقة فسندرك أهمية بذل ما في وسعنا لعبادة الله عز وجل حق العبادة وفق منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن على صعيد آخر لتحقيق التوازن في حياة المهتدين الجدد، علينا أيضا أن نسعى لتحصيل الرزق بالطرق المشروعة مما يتطلب التواصل والتعامل مع الآخرين، فهل ينأى المهتدي الجديد بنفسه عن الآخرين ويعيش في عزلة؟

والإجابة بالطبع لا، فالإسلام ليس ضد التعامل مع الآخرين ولا يؤيد فكرة نبذ الحياة الدنيوية بالكلية؛ فالتواصل مع الآخرين ليس جريمة بل إن الإسلام يدعو المهتدي الجديد إلى الاندماج مع الآخرين.

والمهتدي الحقيقي هو الذي يندمج مع الآخرين ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر من أجل تحقيق العدل على الأرض، وهذا يتمثل في دوره كعضو نشيط في المجتمع الذي يعيش فيه.

يحدثنا القرآن الكريم عن قصة قارون وكيف أن الصالحين من قومه نصحوه وقالوا له:”وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (القصص:77).

وهذا هو المطلوب من المهتدي الجديد أن يحدث توازنا بين الأمور الدنيوية والأخروية. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يحدث المهتدي هذا التوازن؟

وأقترح هنا بعض النصائح لإحداث هذا التوازن..

إدارة الوقت هو مفتاح النجاح

فلو أدار المهتدي الجديد وقته فسيكون بمقدوره عمل الكثير. فعليك أيها المهتدي أن تحدد قائمة أولوياتك، ولتبدأ بالأكثر أهمية ثم المهم ثم الأقل أهمية. ولتستغل كل ثانية في حياتك، ففي طريقك للعمل والعودة منه يمكنك اصطحاب ترجمة للقرآن الكريم بلغتك لتقرأ منها بعض الآيات، كما يمكنك استغلال هذا الوقت في ذكر الله والاستغفار. وهذا ما يطلق عليه البعض توازن المسلم مع روحه.

ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة. تحكي لنا السيدة عائشة (رضى الله عنها) ماذا كان يفعل رسول الله في بيته: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال سألت عائشة ما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصنع في أهله قالت :كان في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. (رواه البخاري).

فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يساعد زوجاته وهذا أمر ديني، وإذا حضرت الصلاة ترك كل شيء وذهب للمسجد وهذا أمر ديني. وهذ عين التوازن.

وأنبه إلى أن الانخراط في الأمور الدنيوية دون الاهتمام بالالتزامات الدينية أمر غير محمود في الإسلام. يقول الله تبارك وتعالى عن هذا الصنف من الناس: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ” (محمد:12).

قد يعتقد المهتدي الجديد أنه في المرحلة الانتقالية عليه أن ينبذ كل شيء في الحياة ويهتم فقط بتقوية علاقته بربه، وليس عيبا أن يهتم بهذا الجانب التزكوي ولكن الخطأ يأتي من ترك الدنيا بالكلية. ويبين الحديث التالي (منهج الرسول صلى الله عليه وسلم) في هذا الشأن:

روى الإمام مسلم أنّ نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، سألوا أزواج َالنبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السرّ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمدَ الله وأثنى عليه فقال: (ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا! ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغبَ عن سنتي فليس مني).

هذا هو نموذج التوازن بين أمور الدنيا وأمور الآخرة، فالإفراط والتفريط منبوذان في الإسلام.

والقرآن الكريم يؤكد في أكثر من موضع أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها (البقرة: 268، التغابن: 16). ويقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) (رواه البخاري ومسلم). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي. قَالَ: (عَلَيْكُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا) وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ (رواه البخاري ومسلم).

كما ينبغي على المهتدي الجديد أن يسعى لطلب العلم ويلتحق بالفصول التعليمية التي تنظمها لجنة التعريف بالإسلام لكي يحدث توازنا مع عقله ويتعرف على الحلال والحرام ويتعرف على أساسيات الإسلام مثل الصلاة والصيام حتى يعبد الله تعالى عن بينة وعلم.

فليكن شعارك أخي المهتدي الجديد التوازن والوسطية لأن أمتك وصفها الله بالأمة الوسط: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” (البقرة 143).

نسأل الله عز وجل أن يثبت المهتدين الجدد على دينهم وأن يعينهم على إحداث التوازن المرجو منهم في هذه المرحلة الحرجة من حياتهم الجديدة.

 

 

(المصدر: موقع المهتدون الجدد)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *