الوجود الإسلامي في القدس بين التهديد والتهويد

الوجود الإسلامي في القدس بين التهديد والتهويد

بقلم د.عيسى القدومي

المقدسيون غرباء في وطنهم ، يهددون دائماً من شرطة الاحتلال بسحب هوياتهم التي من خلالها سمح لهم الاحتلال بالإقامة في القدس، فهم بأرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم إلا أن الاحتلال بممارسته التهويدية نفى عنهم صفة المواطنة، وجعلهم كالغرباء في وطنهم !!

بل دعا مؤخرا وزير الداخلية الصهيوني “جلعاد أردان” لبحث إمكانية سحب الهوية الإسرائيلية الزرقاء من سكان القدس الفلسطينيين أو إبعادهم إلى الضفة الغربية كنوع من العقاب على من ثبت عليهم التحريض ضد الاحتلال.

وإذا طُبق ذلك المقترح فإنه سيعرض كل من يشارك في المواجهات أو يدفع عمليات التهويد من الفلسطينيين، ويصد اعتداءات الغاصبين عن المسجد الأقصى وحقوق المقدسيين في أرضهم العمليات فسيتم إبعاده من القدس إلى الضفة الغربية.

فمنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 كان السعي بشكل مثابر ودون توقف إلى تغيير الطابع العربي والإسلامي لشرقي القدس، وذلك من خلال تعزيز وجود كتلة سكانية يهودية حاسمة، لخلق واقعاً جغرافياً وسياسياً جديداً ، يفرض التهويد على المنطقة وتتم من خلال ذلك السيطرة الكاملة على القدس بشقيها الغربي والشرقي

، وهذا ما يطلق عليه مسمى التهويد والذي يرمي إلى السيطرة التامة على شرقي القدس من خلال إلغاء كل ما يربطها بتاريخها ومكانتها وإسلاميتها .

القرارات التي ننتظر تطبيقها :

    حينما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 قرار رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية أبقى القدس منطقة دولية لفترة مؤقتة من الوقت تعود بعدها القدس العربية لتخضع للسيادة الفلسطينية ، فتحقق القسم الأول من القرار ، أما القسم المتعلق بالقدس فإنه مازال معلقا وتحت ممارسات وإجراءات اليهود .

وبعد حرب 1948م احتل اليهود غربي القدس – وهي تساوي حوالي 85 % من المساحة الكلية للقدس – وقاموا بتهويد هذه المنطقة التي تعود ملكيتها للعرب وبناء أحياء سكنية يهودية فوق أراضيها وأراضي القرى العربية المصادرة حولها .

 وبعد  هزيمة حرب يونيو 1967 احتل الكيان الصهيوني باقي فلسطين فسقطت الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس ، وقطاع غزة ، وأعلن عن توحيد شطري القدس تحت الإدارة اليهودية في 27/6/1967 م .

ثم أعلن رسمياً في 30 يوليو 1980 أن القدس عاصمة أبدية موحدة للكيان اليهودي . وقام الكيان اليهودي بتوسيع نطاق بلدية القدس تدريجياًُ ، ليتمكن من ضم مناطق أخرى من الضفة الغربية نهائياً إلى كيانه ، وليقوم بعملية تهويد القدس على نطاق مبرمج واسع . وعمل على تنفيذ خطة ما يسمى بالقدس الكبرى لتشمل 840 كم2 أي نحو 15 % من مساحة الضفة الغربية .

وفي نطاق بلدية شرقي القدس أنشأ الصهاينة طوقاً من 11 حياً سكنياً يهودياً حول المدينة القديمة حيث المسجد الأقصى يسكنها حوالي 190 ألف يهودي . كما أنشأ طوقاً آخر – أكثر اتساعاً – حول القدس من 17 مستعمرة يهودية محاولاً قطع القدس عن محيطها العربي والإسلامي . وبالتالي قطع الطريق عن أي تسوية سلمية يمكن أن تعيد القدس أو شرقي القدس للفلسطينيين .

ويسكن القدس بشقيها حوالي 650 ألفاً منهم 450 ألف يهودي و 200 ألف عربي ( يسكنون شرقي القدس ) على 4 % من مساحة القدس .

ولم تنفع التسوية السلمية واتفاقات أوسلو في وقف الاعتداءات وتم تسجيل أكثر من 100 اعتداء خلال الفترة من 1993 –2006 م مما يشير إلى ازدياد الحملة الشرسة ضد المسجد الأقصى .

وقد صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عشرات القرارات الدولية برفض ضم الكيان اليهودي لشرقي القدس ، ورفض أية إجراءات مادية أو إدارية أو قانونية تغير من واقع القدس واعتبار ذلك لاغيا ، واستمرت القرارات في الصدور إلى الآن ، غير أنها وإن كانت تعترف بحقوق الفلسطينيين ، إلا أنها تفتقر الجدية والآلية اللازمة لإرغام الكيان الصهيوني على احترام القرارات الدولية .

ففي العام 1971م أعلن مجلس الأمن: ” .. إن كل الأعمال التشريعية والإدارية التي اتخذتها إسرائيل لتغيير وضع مدينة القدس بما في ذلك مصادرة الأراضي والأملاك ونقل السكان وسن التشريعات الهادفة لضم الجزء المحتل، هي أعمال وإجراءات باطلة ولا يمكن لها أن تغير ذلك الوضع” . قرار مجلس الأمن الدولي 298 ( 1971)، بتاريخ 25 أيلول ( سبتمبر 1971م) .

وتكرر مضمون تلك القرارات حينما تبنت إسرائيل قانونها الأساسي الخاص بالقدس في 1980م الهادف إلى تثبيت ضمها الفعلي للقدس، فقد قام مجلس الأمن الدولي مجدداً بإصدار بيان واضح يعتبر عمل إسرائيل ذلك باطلاً بموجب القانون الدولي، وكذلك في العام 2006 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً أعادت فيه تأكيدها بأن جميع الأعمال التي قامت بها إسرائيل لفرض قوانينها وتشريعاتها وإدارتها على المدينة المقدسة هي أعمال غير قانونية، وبالتالي فهي غير قائمة وباطلة وليس لها أهمية على الإطلاق.

وأصدرت اللجنة الرباعية في الاجتماع الذي عقدته في موسكو في 19 آذار (مارس) 2010م قراراً فيه التأكيد على أن الاستيطان في القدس عمل غير شرعي بموجب القانون الدولي.

لماذا تُزرع المغتصبات في القدس وحولها ؟!:

يلخص مؤلف كتاب ” إسرائيل والقدس الشرقية استيلاء وتهويد”” مائير مارجيت”[1] ، واقع المغتصبات التي تزرع في القدس وما حولها ، بقوله : ” إن مجرد وجود مستوطنة يكفي لضمان السيطرة على المكان وبالتالي تتغير طبيعة المكان من مكان حياة مسالمة إلى منطقة نزاع”.

ويضيف : “فهي تؤدي إلى تفتيت الأرض، وتدمر تناسق المجتمع وانسجامه، وبالتالي إلى تعميق السيطرة اليهودية على الأرض، ومن ثم تُعكر المستوطنات المحيط وتقلقه، إنها تمزق الشعور بالمكان، وتضر بالأمن النفسي للسكان. فالمستوطنة تثير بمجرد وجودها العداء، وتلحق الضرر بالمكان الذي تحتله، لأنها امتداد لـ ” الدولة المحتلة ” مما يشعر المواطنين العرب بالإذلال وبأنهم تحت الاحتلال”.

وفي المقابل تم إغلاق العشرات من المؤسسات المدنية والمراكز العربية التي تدافع وتحافظ على الوجود الإسلامي في شرقي القدس – البلدة القديمة – تقوم حكومة الاحتلال بفتح عشرات المراكز اليهودية التي تسهل انتقال اليهود وإقامة المؤسسات من مدارس دينية وخدمات اجتماعية واقتصادية ، وإعفاءهم من الضرائب وإعطاءهم الحوافز ، بينما يعاني أهل القدس أشد أنواع الظلم من اعتداءات وضرائب وسحب هويات وتقطيع أواصلهم وإمتدادهم مع باقي فلسطين .

بينما تفرض أعلى نسبة ضرائب في العالم على سكان شرقي القدس من المسلمين بهدف التضييق الاقتصادي عليهم وإجبارهم على الخروج منها لتعجيل تهويدها وإحلال اليهود بمساكنهم ، علما بأن تلك الضرائب غير قانونية دولياً بموجب معاهدة جنيف ولاهاي التي تمنع فرض الضرائب على المحتل إلا أنها مازالت تُفرض وبمبالغ باهظة وفي حالة الامتناع عن دفع الضريبة أو عدم القدرة يتم حجز الأملاك والمصادرة والسجن في بعض الأحيان

هل يعقل بعد هذه القرارات وبعد الكثير من الوعود وآخرها تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالحفاظ على الدور الأردني التاريخي في رعاية المقدسات الإسلامية بالقدس المحتلة، في اجتماعه الذي تم في عمان بين ملك الأردن عبد الله الثاني ونتنياهو ووزير الخارجية الأميركي جون كيري .

حيث نص بيان صادر عن الديوان الملكي الأردني إن نتنياهو شدد على “التزام إسرائيل بالحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدسة بالقدس الشرقية وعدم المساس بها بأي شكل من الأشكال، واحترام الدور الأردني الهاشمي التاريخي في الحفاظ على الأماكن المقدسة بالقدس ورعايتها”.

 

حيث أن الأردن وحسب اتفاق السلام الذي وقعه مع الكيان الصهيوني في وادي عربة في العام 1994 م يقر بإشراف الأردن الكامل على المقدسات، فضلاً عن الاتفاق الموقع بين العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس السلطة محمود عباس حول الوصاية الهاشمية لتلك الأماكن، ومع ذلك تتعرض المقدسات الفلسطينية ، والمسجد الأقصى على وجه الخصوص من حملة تهويد وتحريف واعتداءات متكررة ومتنامية ، بلا أي رادع قانوني أو دبلوماسي أو أخلاقي.

لا شك أننا نعيش واقعاً مريراً  منذ “هيرتزل” … إلى ” نتنياهو  ” إجماع على تهويد القدس، فمنذ تأسيس الحركة الصهيونية عام 1897 م وقادتها يجمعون على تهويد القدس والمسجد الأقصى المبارك مؤكدين صراحة إمكانية هدمه وإقامة الهيكل المزعوم مكانه ، وهاهو نتنياهو مستمراً في ذلك المخطط .



[1] – الدكتور مائير مارجليت باحث في تاريخ المجتمع اليهودي في فلسطين إبان الانتداب البريطاني، وهو عضو في مجلس بلدية مدينة القدس الغربية، ويعد خبيراً في قضايا سياسة بلدية القدس، وقد نشر الكثير من هذا الموضوع، بما في ذلك عدة أبحاث من بينها: ” التمييز في قلب المدينة المقدسة، و” أعمال الهدم في القدس الشرقية ويعمل مارجليت أيضاً مستشاراً للعديد من المنظمات الدولية.

وتأت أهمية هذا الكتاب كون كاتبه يهودي مختص في القدس وقد شغل مناصب رفيعة في القدس، وهو كذلك باحث وكاتب وناشط ومدافع عن حقوق العرب والمسلمين في القدس.

(المصدر: مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية)