مسافر من تحت قباب حيدر آباد

مسافر من تحت قباب حيدر اباد

بقلم أ. صبغة الله الهدوي – منتدى العلماء

رحلة إلى حيدر آباد، هي لحظة تدفع الأنفس وتدعو الخيال والخواطر، وتحيي في الأنفاس روائح الرومانسية والملحمية معا، وهي مدينة تروي بطولات الأمجداد والأجداد، والتي تحمي بطاقة هوية الأمة المشردة، وتأتي من قبابها الصامدة آلاف الشعر والنثر، ولها حكايات تهيج الأشواق وتبعث الأشلاء، لأنها هي المدينة الفريدة التي تصدت لعرقلات الزمان وقامت برجليها الثابتة دون الطغاة ومكرة الأمة، تاريخها نسيج من المملكات الإسلامية والفتوحات والأيام الملتحمة، وقد بقيت مآثرها حبكة الدهر وبطل المسرحيات الإسلامية، لأنها تأبى الخضوع أمام الاحتلالات الصناعية والظاهرات العشوائية، وتلتزم بشرعية عنوانها وحفاظة إيوانها وإعادة ديوانها من أرجاء الأيام.

ملامح من التاريخ المفتخر

فكل متصفح في أغوار الهند يدرك حقيقة الفخر والعزة التي تنتمي إلى الشعب الإسلامي، ففي أجواءها شميمها وفي أرجاءها نسيمها، لأن شوارعها التاريخية ومدنها الخالدة آثار شعب استوى في عرشها واعتلى في كرسيها، من قلعة آغرا، ومفخرة تاج محل، ومن منارة قطب ومقبرة مغول، فكل عواصمها تعكس هذه الأضواء لماعة، كما يسطع بريقها في كلكتا، وفي دلهي، وفي ممباي وفي أحمد آباد، هذه العواصم تنطق بلسانها وجوارحها عن أيادي فتية عملة وراء هذه الإنجازات المستحيلة، وتطفو هذه الديار والمآذن فوق التزويرات والتزييفات المدبرة،لأنها ترسم للهند علامة وتسجل لها وساما، ولولا هذه القبب العوالي لبقيت الهند خالية من مراحل التاريخ والحضارة، بينما تعتز أوربا بجسورها ومبانيها الناطحة بالسماء، وبحدائقها المصنوعة الفاتنة وعماراتها المبهرة، وتقنيتها المسحرة.

وقد مرت على الهند قرون وهي تعيش تحت سطوة المغول والخلجي والغزنوي واللودي، فكل هذه القرون كانت معالم شرّاقة حتى عمّرت الهند وزخرفت، بغض النظر عن المداخلات السياسية والطموح العرشية، على أي حال، لقد حاولت هذه الممالك لتوحيد شرقيّ الهند وغربيّها، ولم أشعاثها وتضميد جراحها، لكن العيون الحاقدة كانت تحلق فوقها وتطوف حول كعبتها، فتحولت هذه الأيام إلى أيام الخسران والصراع، واحتلت مكانها متربصو القوى والطمع، هكذا انتقلت الهند من ماضيها الباسم إلى حالها الغاشم المظلم، وتفجرت في كل زاويتها قنابل جاهزية الانفجار على رمز الدين والطبقة والعنصرية، وعاد من كان ينتظر البأس والقحط بصفقة رابحة، فارتفعت تحت كل قبابها هياكل ما لها أصل وما لها دليل.

لقد صدق من قال” التاريخ خير سلاح والتراث أمضى صاروخ”، فإذا تلاشت حجارة التاريخ فلا هوية ولا عنوان، بل كل على متن الميدان عراة، فإعادة التاريخ ودياره واستذكار واديه وأطلاله لمستحيلة، إلا أن السعي المستمر والجد المدبر.

فحيدر آباد تصارع هذه المدن والشوارع، لأنها نجحت في سد التيارات العنيفة وصدها هراء، وكتبت بدماء أجدادها شعار الوحدة والانسجام، ورفعت راية الشرف والكرامة على سواري العلمانية، لم تهرب من خشبة الحقيقة ولم تساوم تركتها في سوق العداة، لأنها كانت على علم محيط بأن مساومة التاريخ لا تعود إلا نكالا عليها، فباتت ترابط أرضها وعرضها، وتحرس قبتها ومسجدها على مر الدهور والأيام.

إنطباعاتي في حيدر آباد

لقد خضت تلك اللجة الصاخبة، والأمواج الهائجة، ودنوت من قبة تشارمنار، قبة بناها محمد قولي قطب شاه، وهي مؤلفة من أربع قباب عالية شامخة، مطلة على المدينة من كل الجوانب، كأنها حارستها وشارة فألها، وهي تتحمل في طيها أيام الاستعمار والاستقلال، وتشاطرنا مهارة الفنون الإسلامية وتستوقفنا تلك المشاهد الفاتنة، إلا أن بهجتها تضائلت وتناقصت، ولمعتها تلاشت واضمحلت، كأنها تحاكي حالة مسلمي الهند، انبساطا وانحطاطا، وارتفاعا وانخفاضا، فكلما تشعشعت قبابها أصبحوا في إوج الارتقاء، لكن لما تعرضت لبنت الثرى أصبحوا تحت أنقاض القرى وأقدام الورى.

وشاهدت من بين مرآة الزمان ملامحا تدفعني إلى الوراء، حين امتلكنا درة كوهنور، وجواهر بجنور، لكني تراجعت من تلك المناظر واقتنعت بالحقائق، بأن للآثار أفكار ولها قيم وأسرار.

ثم انتقلت إلى مسجد مكة، قريبا من تشارمنار، وهو مسجد معظم شامخ، وكأنه آخر أنفاس وأضعف إحساس، لكن له جمال وخيال، لأنه يبث فينا قوة وحماسة، ويستنهض إرهاصة جديدة حتى يحفظ الشعب كوامن الأيام ويسترجع مظاهر الأعوام، وهذا المسجد كان بمرمى العداة حيث كدروا صفوه بتفعيل قنبلة في جواره، فأساءوا سمعته وشوهوا مهجته، لكنه لم يهتز ولم يتوتر، بل قام كعنقاء نهضت، وهو يلخص حياة المسلمين ويختزل تاريخهم بين الأمم.

في قلعة غولغنتا

قلعة تبهر الأنظار وتفعم الأسفار وتلهم الأسرار، لأنها فن يكسر المستحيل ويعبر القضاء والقدر، قلعة من حجارات وصخور، تجهز لك منظرا واسعا عبر مدينة حيدر آباد، هبوطات وصعودات، لا يصعدها إلا من وفق له العافية والصحة، لكنها عجب في حالها وتاريخها، في قمتها مسجد إبراهيمي، وكفى لكل مسلمي الهند هذا المسجد وساما وخاتما، وهو يحاورنا أنباء الملوك والولاة، كيف امتلكوا نواصي الأمور وصولجان السياسة، قلعة في أقصى غاية الجمال ودقة الهندسة وإتقان البناء.

وقد علمتني هذه الرحلة أن التاريخ هو وحده مقياس الشعوب والأمم، فلو ضاع التاريخ وضل في دربه لما انتهضت أمة ولما دمّرت حضارة، وقد قرأت هذه العبارة حين شاهدت هيكلا هندوسيا قرب هذا المسجد الإبراهيمي، لقد بني من جديد، ولم يندرس من سدة الهيكل آثار التجديد والترميم، فتخيلت بأن نواة هذا البناء والهيكل ربما يكون خوفهم واضطرابهم،لأن قلعة مثل غولغنتا ستغير مجرى التاريخ وتأتي بفجر جديد.

وقد تطاولت القوى الفاشية على كل المآثر الإسلامية وسعت في تدمير هويتها وإغلاق مصراعها، ونسجت من الخيال والأوهام أساطيرا وخرافات، ونفذت بعضها وبعضها في سبيل الانتظار، فادعت أن تاج محل هو محل ولادة آلهتها، وأن مسجد البابري هو موطن “راما”، هكذا اقتنصت شرعية التاريخ واصطادت رجاله، إلا أن حيدر آباد قاومت هذه الحملة ولاكمتها وبارزتها تحت ضوء سلطته الأيام وخلدته الأقوام.

بين الألم والأمل

حيدر آباد، هي مدينة من بقايا التاريخ، فيها ما فيها، من القباب والمساجد والجامعات، وهي حاملة تشتكي من الطلق الشديد، ولكنها لما تجد قابلة ولا خادمة، وقد غطتني ملامح وجهها الشاحب غيوم الأسى والشجى، وقد نسيت جامعاتها الإسلامية دورها الفاعل، وعملها المتحرك، وهي تنام في بساط خوصه الأشواك، ولا تدري عن الأشواط الطويلة أمامها، فلو انتفضت من كراها ونعاسها، وقامت من رقدة اشتدت وطأتها لتغير مجرى العالم وتنور أوجه الإسلام، لقد أماتوا ماضيهم ورموا أماسيهم، جامعات مأسورة بين جدرانها وتضن في توسيع رحابها وفتح بوابتها، جامعات تبخل في بسط يديها، ولا تدرى قيم كتبها ومخطوطاتها، إلا أنها تستمد المنح الحكومية وتستفيد من روبيات الأبوة والأمومة، لقد أبكتني هذه المناظر وحكتني حزن السرائر، وكلمتني كيف يخدع التاريخ أصحابه ويذل من ظن أربابه.

حيدر آباد، هي رمز الفخر والصمود، في حضنها آلاف القصص، لكنها ترجو البطل والحبكة، فإن الشعب لو أدرك عمق تاريخه وسبر أغوار تراثه لطار كصقر فوق الجبال الشماء وفوق البحار الزرقاء والصحارى الوعساء، لكن الإدراك بداية ونهاية، فمسلموا الهند على وشك الانفجار وعلى شط الانتظار، فحقا ستبقى حيدر آباد كشّافة ودليلا لكل مسلميها، ولكل مؤرخيها، حتى يدور التاريخ من الشرق إلى الغرب ومن البحر العربي إلى سفوح هماليا، حقا.