الأحكام الفقهيَّة المتعلِّقة بالضَّحايا

الأحكام الفقهيَّة المتعلِّقة بالضَّحايا

إعداد قاسم عبد الواحد – الملتقى الفقهي

الحمد لله على إحسانه وامتنانه, شرع الأحكام فأحكمها ويسّرها بلطفه وإنعامه, والصّلاة والسّلام على من كان بنا رؤوفًا رحيمًا, وعلى آله وأصحابه أولى الفضل والكرم, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الجزاء. أمَّا بعد:

فإنّا في هذا البحث نذكر جملة من الأحكام المتعلِّقة بالضَّحايا, وذلك بعد تعريف الضَّحايا, وذكر الأصل في مشروعيَّتها. فنقول:

الأوَّل: الضَّحايا؛ جمع الضَّحيَّة؛ وهي ما يذبح من بهيمة الأنعام؛ تقرُّبًا إلى الله عزَّ وجلَّ في أيَّام النَّحر.

الثَّاني: الأصل في مشروعيَّتها: الكتاب, والسنّة, والإجماع.

أمَّا الكتاب: فمنه قوله تبارك وتعالى: فصلّ لربِّك وانحر[1].

وأمَّا السّنة: فما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما, من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويضع رجله على صفحتهما ويذبحهما بيده»[2].

وأمَّا الإجماع: فقد أجمع العلماء على مشروعيّة الأضحية, وأنّها من الأعمال الفاضلة التي يتقرّب بها إلى الله عزّ وجلّ.

الثالث: حكم الأضحية؛ سبق أن قلنا بأنّه لا خلاف بين أهل العلم في مشروعيّة الأضحية؛ وإنّما الخلاف في حكمها؛ فالذي عليه جماهير أهل العلم من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة, وبعض الحنفيّة, هو أنّها من السّنن المؤكَّدة؛ وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه, من حديث أمّ سلمة رضي الله عنها، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا»[3]. وفي لفظٍ: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره»[4]. وفي لفظ: «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره، ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي»[5]. وجه الدلالة من هذه الأحاديث على سنية الأضحية: أنّ النّبيّ عليه الصّلاة والسَّلام علَّق أمر ذبحها على الإرادة؛ وذلك في قوله عليه الصّلاة والسَّلام: « وأراد أحدكم أن يضحي». ومداومة النّبيّ عليه الصلاة والسّلام عليها يدلّ على أنّها مؤكَّدة.

الرّابع: يجوز أن تكون الأضحية من جميع بهيمة الأنعام: الإبل, والبقر, والغنم, وهذا ممّا لا خلاف فيه بين أهل العلم.

الخامس: أنّ الأفضل في الضَّحايا, هو الأفضل في الهدايا على الصَّحيح من قولي أهل العلم في ذلك؛ وهو الإبل, ثمّ البقر, ثمّ الغنم.

السّادس: أجمع أهل العلم على أنّ المجزئ من المعز هو الثّنيّ؛ وهو من الإبل؛ ما له خمس سنين, ودخل في السّادسة, ومن البقر: ما له سنتان, ودخل في الثَّالثة, ومن الغنم؛ ما له سنة واحدة, ودخل في الثَّانية.

وأمَّا الضَّأن؛ فالجمهور على أنّ الجذَع – وهو ما له ستة أشهر – وقيل: سنة – منه مجزئ؛ مستدلّين بما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه؛ أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لأبي بردة بن دينار: «ولا تجزئ جذعة عن أحد غيرك»[6].

السَّابع: أجمع أهل العلم على أنّه لا يجوز أن يشترك في الغنم أكثر من شخصٍ واحد؛ إلا ما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنّه قال: يجوز أن يشرِّك الرجل أهل بيته في الأجر؛ وذلك في الغنم. قال ابن رشد: وعند مالك يجوز أن يذبح الرجل الكبش أو البقرة أو البدنة مضحيا عن نفسه وعن أهل بيته الذين تلزمه نفقتهم بالشرع، وكذلك عنده الهدايا[7].

الثامن: جمهور أهل العلم على أنّه يجوز أن يشترك سبعة أشخاص في نحر البدنة, وذبح البقرة؛ وذلك لما أخرجه مسلم في صحيحه؛ من حديث جابر بن عبد الله، قال: «نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة»[8]. وفي لفظ: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج: «فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة»[9].

التَّاسع: أجمع أهل العلم على اجتناب التَّضحية بالأضحية التي فيها العيوب الأربعة التالية:

الأوّل: العرجاء البيِّن عرجها.

الثَّاني: العوراء البيِّن عورها.

الثَّالث: المريضة البيِّن مرضها.

الرَّابع: العجفاء التي لا تنقي.

ومستند هذا الإجماع: ما أخرجه الحاكم في مستدركه, من حديث عبيد بن فيروز، يقول: قلت للبراء رضي الله عنه، حدثني عما كره أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأضاحي، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا بيده ويدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أربع لا يجزين في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والكسير التي لا تنقى ” قال: قلت فإني أكره أن يكون نقص في الأذن والقرن. قال: «فما كرهت فدعه، ولا تحرمه على غيرك»[10].

كما أجمعوا على أنّ هذه العيوب الأربعة تمنع الأضحية من الاجزاء.

قال ابن حزم: واتفقوا أنّ العوراء البين عورها, والعمياء البينة العمى, والعرجاء البينة العرج؛ التي لا تدرك السرح, والمريضة البينة المرض, والعجفاء التي لا مخ لها؛ أنها لا تجزئ في الاضاحي[11].

وجمهور أهل العلم – منهم الأئمة الأربعة – على أنّ ما كان من العيوب أشدّ من تلك الأربعة المنصوص عليها – مثل: العمى, وكسر السَّاق – فهي أيضًا تمنع الإجزاء؛ مستدلين على ذلك بمفهوم الموافقة؛ قالوا: إذا كانت تلك العيوب مانعة من الاجزاء؛ فلأن تمنع ما هي أشدّ منها من باب أولى.

وأمَّا ما كان من العيوب مساوية للعيوب المنصوصة في إفادة النّقص؛ مثل: وجود العيب في الأذن, والعين, وقطع الذَّنب, والقرن؛ فالصَّحيح الذي عليه جمهور أهل العلم هو أنّه يستحبّ اجتنابها, لكنّها لا تمنع الاجزاء.

العاشر: ابتداء وانتهاء وقت الذبح.

أوَّلاً: اتفق العلماء على أنّه لا يجوز الذبح قبل صلاة العيد؛ لما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث البراء، قال: ضحى خالي أبو بردة قبل الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك شاة لحم»، فقال: يا رسول الله، إن عندي جذعة من المعز، فقال: «ضح بها، ولا تصلح لغيرك»، ثم قال: «من ضحى قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين»[12].

ثانيًا: أنّه لا يشترط ذبح الإمام لصحة التضحية؛ وهذا الذي عليه جماهير أهل العلم, ولم يخالف في هذا إلا السادة المالكيّة؛ فاشترطوا لصحّة الذبح سبق ذبح الإمام, فالصَّحيح في هذا هو ما عليه جمهور أهل العلم.

ثالثًا: أنّ من ذبح بعد الصَّلاة فقد ذبح في الوقت المرغب فيه؛ وأصاب سنة المسلمين.

رابعًا: أنّ وقت الذبح يمتدّ من يوم العيد, إلى مغيب شمس اليوم الثَّالث بعد يوم العيد؛ يعني: أيام الذبح أربعة: يوم العيد, وثلاثة أيَّام بعده. وهذا هو الصَّحيح – إن شاء الله تعالى – من أقوال أهل العلم في ذلك.

خامسًا: أنّه يجوز الذبح في نهار تلك الأيَّام الأربعة ولياليها؛ وهذا هو الصَّحيح من قولي أهل العلم في ذلك.

الحادي عشر: يُستحب للمضحِّي أن يقسِّم لحم أضحيته أثلاثًا؛ يأكل منه ثلثًا, ويتصدّق بثلثٍ, ويدّخر ثلثًا؛ وهذا من هدي خير المرسلين؛ وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما, من حديث سلمة بن الأكوع، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلوا وأطعموا وادخروا»[13].

الثَّاني عشر: لا يجوز أن يبيع المضحي لحم أضحية؛ ولا يعطي الجزَّارين شيئًا من لحمها كأجرة الذّبح؛ فأمّا لو أعطاهم من باب التّصدّق عليهم, فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى؛  وذلك لما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ من حديث علي بن أبي طالب، قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلالها وجلودها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئا»[14].

الثالث عشر: يستحبّ أن يكون المضحي هو الذي يلي ذبح أضحيته؛ واتفق العلماء على أنّه يجوز أن يوكِّل غيره في الذّبح[15].

هذا الذي أردنا أن نطرحه ونبيِّنه بمناسبة قرب يوم العيد المبارك؛ نسأل الله تعالى أن يتقبّل منّا ومنكم صالح الأعمال؛ وأن يجعلنا وإيَّاكم من المقبولين الفائزين, فهو وليّ ذلك والقادر عليه.

المراجع

[1]  سورة الكوثر 2.

[2]  صحيح البخاري 7/102 برقم 5564, صحيح مسلم 3/1556 برقم 1966.

[3]  صحيح مسلم 3/1565 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا.

[4]  صحيح مسلم 3/1565 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا. من طريق أمّ سلمة رضي الله عنها, عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

[5]  صحيح مسلم 3/1566 برقم 1977 كتاب الأضاحي/ باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره، أو أظفاره شيئا. من طريق أمّ سلمة رضي الله عنها, عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

[6]  صحيح البخاري 7/102 برقم 5563, صحيح مسلم 3/1553 برقم 1961.

[7]  بداية المجتهد 2/838-839.

[8]  صحيح مسلم 2/955 برقم 1318.

[9]  المصدر السابق.

[10]  مستدرك الحاكم 1/640 برقم 1718.

[11]  مراتب الإجماع 153.

[12]  صحيح البخاري 7/103 برقم 5569, صحيح مسلم 3/1552 برقم 1961.

[13]  صحيح البخاري 7/101 برقم 5556, صحيح مسلم 3/1561 برقم 1971.

[14]  صحيح البخاري 2/172 برقم 1717, صحيح مسلم 2/954 برقم 1317.

[15]  بداية المجتهد 2/846.