جذور كراهية عتيدة: الفاتيكان والقرآن

الفاتيكان والقرآن

بقلم د. زينب عبد العزيز

إن العبارة التى تصف “أهل الكتاب” تحديدا ترد فى القرآن الكريم 29 مرة. إلا أن الآيات التى تتضمن معان تتعلق بهم فهى أكثر من ذلك بكثير. ومن البداية يجب تحديد أن القرآن لا يدين أهل الكتاب إدانة عامة مطلقة على أنهم يهود أو نصارى، وإنما يقوم بتحديد واضح بين الأتقياء منهم وبين من يطلق عليهم عبارة الفاسقين. وهذه التفرقة ناجمة كما رأينا فى الجزئين السابقين، عن تصرفهم تجاه رسالة التوحيد التى أنزلت إليهم، ثم حادوا عنها أو  حافظوا على طريق الإستقامة.

* ـ “ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما…” (الآية، آل عمران : 75)؛

* ـ “…ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم مؤمنون وأكثرهم الفاسقون” (الآية، آل عمران : 110)؛

* ـ “ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أناء الليل وهم يسجدون/ يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون فى الخيرات وأولئك من الصالحين/ وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه والله عليم بالمتقين” (آل عمران 113ـ115).

 ونلاحظ فى الآيات الأخيرة أن هناك جماعة، من أهل الكتاب، تصلى أثناء الليل وتسجد فى خشوع. وهو ما يشير فى نفس الوقت إلى تغيير قامت به الكنيسة فى المسائل العبادية ضمن كثير غيرها، لأن يسوع كان يسجد وهو يصلى، وهو مكتوب فى الأناجيل الحالية. والمعروف منذ العصور القديمة، أن الصلاة كانت ركوعا وسجودا تعبيرا عن الإحترام المطلق للخالق. واستكمالا للآيات التى تفرق بين المؤمنين والفاسقين من أهل الكتاب، نطالع :

* ـ “وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب” (آل عمران 199).

ثم نجد تمييز آخر يؤكد أنه يوجد من بين أهل الكتاب من يعرفون الحق ويمارسونه ويعيشون رسالة التوحيد كما أنزلت عليهم :

*  ـ “لكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما” (النساء 162)

فالأتقياء من أهل الكتاب يؤمنون بالرسالة التوحيدية كما انزلت، بدون التحريف الذى تعرضت له، حتى وإن مارسوا عبادتهم فى الخفاء بعيدا عن بطش الكنيسة. أما الفاسقون، الميالون للأذى، الفاسدون خلقا، فهم يكذّبون ويحرّفون ويدعون إلى الخديعة ويحاولون تكفير المؤمنين بعداوة وكراهية :

* ـ “ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزّل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم” (البقرة 105)؛

* ـ “إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط” (آل عمران  120)؛

* ـ “قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنّا بالله وما انزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون” (المائدة  59).

إن ما يتم الإعداد له حاليا ضد المسلمين وكل ما يستعد الفاتيكان لإستصدار القرارات اللازمة له فى سينودس الأساقفة الذى ىسينعقد فى اكتوبر القادم، ليست مجرد عداوة وكراهية، وإنما رغبة بغيضة كاسحة تهدف عمدا إلى إقتلاع الإسلام والمسلمين. وفى الواقع، ان هذه الرغبة اللحوح ليست بجديدة أو ترجع فقط إلى مجمع الفاتيكان الثانى (1965) الذى يمثل بداية هذه الموجة الجديدة، التى تدفع بهذه المؤسسة الفاتيكانية السلطوية إلى تجييش كل الإمكانيات التى يمكنها التأثير عليها واستخدامها.

وما من إنسان يجهل كل ما تحمله الكنيسة الكاثوليكية على كاهلها، وهو ماض غير مشرّف، بدأ بالحملة البيزنطية ضد الإسلام التى إمتدت من القرن الثامن إلى الثالث عشر، لتتواصل عبر الحروب الصليبية التى استدعت المسيحيين بطوائفهم إلى حمل السلاح. ثم قامت بتبرير الإستعمار والمستعمرين وانضمت له بجيوش المنصرين والمبشرين. وقبل ذلك كانت قد القت باللعنة على الإسلام والقرآن وسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك فى مجمع القسطنطينية الثالث. وهو ما يعنى فى الديانة الكاثوليكية لعن مذهب أو شخص هرطقى واستئصاله علنا من مجتمع الأتقياء. وهو ما يتشربه الأتباع من القساوسة. وهل لنا أن نشير إلى كتاب “نبع المعرفة” ليوحنا الدمشقى، الذى تناول الهجوم على الإسلام، على أنه الهرطقة رقم 101 التى تعترض طريق المسيحية؟! وهل لنا أن نضيف أن هذه الدكتاتورية الكاثوليكية المتحكمة لم تحافظ على عقائدها غير المنطقية والتى لا يفهمها أى عقل بشرى، إلا بالرعب والإرهاب، وهو ما تقوم به حاليا لمطاردة الإسلام والمسلمين تحت راية تنصير العالم؟ وهنا نطالع ما يقوله القرآن الكريم :

* ـ “ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون” (آل عمران  69)؛

* ـ “ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى  يأتى الله بأمره إن الله على كل شئ قدير” (البقرة  109).

وحتى حينما يقوم المولى سبحانه وتعالى بتحذيرنا من مكائدهم، فإن القرآن الكريم يفرق بين أهل الكتاب موضحا : “طائفة من أهل الكتاب”، “كثير من أهل الكتاب”، ولم يقم بالتعميم، فمن غير المنطقى أن تتم إدانة الجميع. والآيات لا تتهم إلا اولئك الفاسقين، علّهم يتوبون ويرجعون إلى الطريق المستقيم.

ولم يُطلب منهم إلا أن يتبعوا الدين الحق، وأن يتوبوا إلى الله، ويؤمنوا بما أنزله. وكم من آية توجه لهم هذا النداء، إلا أن حب السلطة والتعطش إلى السيطرة يكتسحان :

*  ـ “يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمِنوا بما نزّلنا مصدّقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردّها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا” (النساء  47)؛

* ـ “وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” (المائدة 47)؛

* ـ “ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتّقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم” (المائدة 65)

ولا يُطلب منهم بوضوح إلا أن يتبعوا الحق ويبتعدوا عن التحريف. فأيا كانت مدة عنادهم وتلاعبهم أو طغيانهم، فإن هؤلاء المزِّيفون عليهم أن يرضخوا يوما ما إلى إرادة الخالق عز وجل.

وإذا ما قمنا بتلخيص العبارات الموجهة إلى هؤلاء الفاسقين والمشركين من بين أهل الكتاب، نرى أن العبارات التى يصف بها المولى ضياعهم تقول أنهم : يخلطون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون، ويحرفونه، ولا يؤمنون بأيات الله، ويبدلونها، ويحاجون فى آيات الله عن غير علم، ويزيفونها،  ويضلون المؤمنين، ويجاهدون لدفعهم إلى الكفر، ويقتلون ويأسرون، ويصدون المؤمنين عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، ويكذبون، ويراءون، ويعبدون الباطل، ويبالغون فى دينهم بغير الحق، ويتبعون أهواء الضالين ويضلّون أنفسهم.. ومع ذلك، فهم يعرفون تماما أن القرآن هو كلام الله الذى أنزله للعالمين.

وإلى هؤلاء الذين يهدمون بقلوب غلف، لن نكف عن تكرار أن الكذب لا سيقان له، وأن المسيحية الحالية التى صنعوها قائمة على أكاذيب متراكمة.. فالمسيح كان يهوديا، ولم يُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهو الذى يؤكد ذلك. وقد أتى لتصويب من حادوا عن التوحيد من بنى جلدته، وليس لإبتداع دين جديد أو لإلغاء الشرع.. أنه كان منقذا لبنى إسرائيل وليس منقذا للعالم كما تود الكنيسة فرض ذلك على الجميع !

إن اليهود والنصارى قد أداروا ظهورهم لرسالته، رسالة التوحيد بالله، وبذلك قطعوا تواصل سلسلة  الأنبياء.. واليهود والنصارى قطعوا بذلك أيضا تواصل سلسلة التراث، التى أوضحها الشيخ عبد الواحد يحيى (رنيه جينون سابقا)، فى كثير من كتاباته. وهو ليس الوحيد الذى تناول هذه الجزئية فى العالم !

والقرآن الكريم، بما أنه طريق الهدى ورسالة التوحيد الخاتمة والمنزّلة للبشر أجمعين، فهو لا يمكن تحريفه أو تزييفه لأن الله سبحانه وتعالى هو حافظه، فهو القائل :

* ـ “إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون” (الحجر  9).

وهنا لا بد من إضافة الآية التالية لتوضيح سبب ذلك وكيفية تطبيقه لإعادة البشر إلى الطريق المستقيم :

* ـ “هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا” (الفتح  28)

لذلك نتساءل بإندهاش ونحن نطالع الآية الكريمة التى تسأل :

* ـ “أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” (النساء  82)

ألم يحن الوقت ليفهم هؤلاء المحرفون الفسقة، بعد الفا عام من التاريخ الدامى، والمذابح التى اقترفوها، والإغتيالات، والقتل بالسمّ، والإبادة الجماعية بحيث تتراكم أعداد القتلى بالملايين بل بآلاف الملايين، من أجل فرض سلطانهم والحفاظ على السلطتين المدنية والدينية ؟ ألم يحن الوقت لهؤلاء القتلة الهدّامون أن يفهموا أنه لا يحق لهم أن يخدعوا أتباعهم بمثل هذا الإصرار وبمثل هذه العدوانية ؟ ألم يحن الوقت بعد أربعة عشر قرنا من مختلف أنواع العدوان السياسى والإضطهاد الدينى من أجل إقتلاع الإسلام والمسلمين، دون أن يتمكنوا من ذلك أبدا، أن يفهموا أن :

* ـ “ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلىّ الكبير” (لقمان  30).

يا أيها الذين تحملون فى أعناقكم ذنب كل من خدعتوهم،

 “يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يَجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرّنكم بالله الغَرور”  (لقمان  33)

(المصدر: موقع الأمة)