ذكريات مع فقيد العلم والعمل في الكويت الشيخ وليد بن محمد العلي

ذكريات مع فقيد العلم والعمل في الكويت الشيخ وليد بن محمد العلي

بقلم محمد زياد بن عمر التكلة

صعقتُ وفُجعتُ شخصياً مثل الكثيرين بخبر استشهاد أخي وحبي في الله فضيلة الشيخ د. وليد بن محمد العلي، أحد أبرز وجوه العلم والفضيلة في الكويت، وإمام وخطيب جامعها الكبير، وأستاذ العقيدة في كلية الشريعة بجامعتها، وصاحب المؤلفات والتحقيقات العلمية النافعة، ورجل الجهود الدعوية والتعليمية الكبيرة داخل الكويت وخارجها.

رحمه الله بواسع رحمته، وتقبله شهيداً هو ومن معه.

تعرفتُ على فضيلته إبان زياراته للرياض مع رفقة عزيزة من كبار مشايخ الكويت للقراءة على سماحة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل يرحمه الله وطيّب ثراه، ووقعت الألفة والمحبة في الله من اللقاء الأول، فقد كان يأسر الجليس بوافر أدبه وعلمه، وجميل سمته، وانتقائه لأطيب الحديث، تزينه الابتسامة المحببة التي لم تفارقه أبداً.

كانت أيامهم مع شيخنا من ذكريات العمر التي لا تُنسى، والتي خلّدها أحد أكابر تلك الرفقة، أخونا الشيخ الكبير وليد المنيس في كتب رحلاته لشيخنا، وسجلتُ شيئاً منها في كتبي عن شيخنا العقيل، رحمه الله تعالى، والكل مطبوع متداول.

ثم كتب الله التعاون مع هذه الرفقة المباركة في التنسيق والعمل والمشاركة لمشاريع مجالس قراءة كتب السنّة في الكويت، تلك المشاريع التي كانت رائدة بحق في العالم الإسلامي المعاصر، ويتذكرها من شارك فيها بالخير، ويعرف أهل الاختصاص أنها كان لها أثر مباشر وغير مباشر في إحياء هذه الحركة العلمية، حيث انطلقت من مسجد الدولة في الكويت لتنتشر في نواحي العالم الإسلامي.

كانت هذه المجالس بإدارة الشيخ الفقيد وليد العلي، ومحرّكها والمشرف القائم عليها هو الشيخ فيصل بن يوسف العلي، وممن كان معهما الشيخان الكريمان وليد المنيس، ومحمد بن ناصر العجمي، والعبد الفقير.

كانت هذه المجالس المباركة فرصتي للعمل القريب مع الشيخ الفقيد، فقد كنتُ أحد المتعاونين معهم إعدادا وتنسيقا وقراءة، وألفتُ في ذلك كتاباً كبيراً طبع باسم “ثبت الكويت”.

كان الشيخ وليد رحمه الله مدير المجالس كما أسلفت، وأنا أجلس مقابله تقريباً في جميع المجالس، وبيننا التنسيق الكامل حول ما يتعلق بالقراءة والتنبيهات وغير ذلك بالمجالس.

ورغم الضغط الكبير آنذاك في هذه المجالس عدداً وتنظيماً وتنسيقاً، فقد كانت رسائله وتنبيهاته التي تصل في وريقات دائماً تحمل طابع الأدب واللطف، ويعامل إخوانه بمنتهى اللباقة، وإذا أراد ينقل القراءة من قارئ لآخر فعبارته المعهودة: “بركة”، ويقول: القراءة مع أخينا الفاضل الشيخ فلان، ولا تخلو وريقاته كل وقت من طرف أو أشعار أو لطائف.

ورغم مكانة الشيخ وليد ووجاهته في البلد، فكان أدبه لا يجعله يتردد إذا قابل بعد المجلس خاله الشيخ أبا الحارث فيصل بن يوسف العلي أن يقبل رأسه، وكذا رأيت منه في إحدى الجلسات في ديوانية الجامع الكبير أدباً وتوقيراً يُصوَّران مع والده، حفظه الله وجبر مصابه.

أما أخلاقه في احترام المشايخ وحسن اللباقة معهم فكان شيئا بارزا، رأينا منه الكثير، وكان شيخنا عبد الله العقيل يحبه ويقدره، ولما زار الكويت جعل الفقيد نفسه مرافقا شخصيا للشيخ يخدمه ويقوم بأموره، ومرة أرسل معي الفقيد هدايا وعطوراً لشيخنا، فسر شيخنا به، ودعا له.

كانت مجالس الحديث في الكويت من أجمل أيام عمري والله، ولا أذكرها إلا وأذكر فيها الفقيد وخاله الشيخ فيصل وأكابر الرفقة، وكانت تمشي بسلامة صدر وسلاسة وجودة افتقدناها في بعض أماكن أخرى، وإلا أنه في وقت منها حصل مع الضغوطات بعض تغيُّر عليّ لوقتٍ، ثم زال، وكنت أجلس تلك الدورة على يمين الفقيد، فمما لا أنساه له أنه كان يكتب لي بين الفينة والأخرى رسائل مواساة رقيقة، وفي إحداها كتب لي أنه بكى لموقفٍ حصل لي، وأنه اجتهد في إعادة الأمور لمجاريها، فبالله أيُّ نفس كريمة هذه أقدر أن أُجازيها؟ هذا الموقف بالذات لا يمكن أن أنساه له، مثل ما كان سعى لأخيه وحاول في إكمال الدراسات العليا في جامعة الكويت في زمن ما.

كان الشيخ الفقيد رحمه الله مديراً لمشروع قراءة الكتب السبعة، ولمشروع قراءة مسند أحمد، وما بينهما، واكتفى بذلك، فقد كان منشغلاً بأموره وتكليفاته الكثيرة، ومع ذلك لا يترك فرصة في الدورات اللاحقة يأتي فيها إخوانه للكويت إلا ويُكرمهم بزيارته وسلامه.

كذلك الأمر كان هذا الخل الوفي إذا جاء الرياض بادر بالسلام واللقاء، ونزور بعض أهل العلم معا، ومرة في مكة، وفيما بين ذلك لا يقطع تعاهد إخوانه بالرسائل الجميلة والاتصال بين الفينة والأخرى، وربما اتصل في التعاون في أمر علمي، أو وقفي، أو خيري، ومنه كان يتواصل لأجل طباعة بعض كتب سماحة الشيخ ابن باز ضمن وقفية الجسّار، وبيننا التهادي للكتب والأعمال العلمية.

ومن وفائه لإخوانه وحفظه لعهدهم ربما سافر للمشاركة في مناسباتهم، كما فعل في آخر زيارة تشرفتُ بلقائه فيها في البحرين، حضر للمشاركة في فرحة عالمها زميله الشيخ نظام اليعقوبي في زواج ابنه أحمد.

كان رحمه الله صاحب دعابة لطيفة، من طبيعته السجع بلا تكلف، حتى في خطب الجمعة، وكنا زملاءه نتخذ ذلك مدخلاً للممازحة معه، وبيننا مطارحات إخوانية نسأل الله أن يعيد جمعاتها في الفردوس.

كان رحمه الله يمتاز بخصلة أخرى رفيعة وهي سلامة الصدر، وهي صفة نادرة، وأنا أعلم له مواقف آثر فيها الانسحاب بصمت كي لا يخسر بعض أحبابه، وكان يُصلح ذات البين، ولا أذكره تكلم في أحد، مع أني وجدت التنافس في بلده يجعل الأمر ليس بالسهل.

كان قال لي: إنه أول كويتي أخذ القراءات في الجامعة الإسلامية حيث تخرج، وكان يحب التردد على المدينة، ويسافر كثيراً في الإجازات للدعوة والتعليم، خصوصاً في أفريقيا.

وفي سفرته الأخيرة في بوركينا فاسو أنهى تدريس كتاب التوحيد، ونطق الشهادة على يده أحد المسلمين الجدد، وأوصى بخير، وكان معه الشيخ الفاضل فهد الحسيني، وأنهيا لقاءً دعوياً بين المغرب والعشاء، ثم ذهبا للعشاء في مطعم مجاور للفندق مع بعض الإخوة من البلاد، فحصل هجوم مسلح غادر، قُتل على أثره جماعة، ومنهم الشيخان الكريمان، والغالب أنها هما المستهدفان في الهجوم، لأثرهما العلمي والدعوي والإغاثي، وأرجو أن الله جمع لهما أجر الدعوة والشهادة مضاعفاً، وأن تكون خاتمتهما خاتمة الخير والإحسان.

وانتشر الخبر انتشار النار في الهشيم في وسائل التواصل، ووقع علينا كالصاعقة والله، قد كان جاءنا قبل سويعات خبر وفاة شيخنا العالم المحدّث المعمر ظهير الدين المباركفوري، بعد المغرب الاثنين، ثم ورد خبر حبيبنا أخينا الشيخ وليد ومن معه، فهدّ النفس، وأجرى العين، ووقفت الروح وقفة العاجز، تسترجع الذكريات في أسف، وتبكي فقيد العلم والأخوة والشباب والمكرمات.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو، أن يتغمد أخانا، وشيخنا ظهير، والشيخ الحسيني، ومن معه، بواسع رحمته، وأن يعظم لهم الأجر، ويخلف على أهلهم وبلدهم ودعوتهم الخير.

تعازينا الخاصة لوالده الجليل، وأولاده، ولسائر أسرته، وللمشايخ فيصل العلي، ووليد المنيس، ومحمد بن ناصر العجمي، ورائد الرومي، وياسر المزروعي، وعيسى العيسى، وعبد الله الكندري، وابنه يحيى، وسائر المشايخ وطلبة العلم وأهل الخير في الكويت، وأسأل الله أن يخلف عليهم من أمثاله، وأن يعوضهم، ويأجرهم، ويبارك فيهم.

رحمك الله يا أخي الحبيب، فإنا على فراقك لمحزونون، فقد عشت حميداً، ولقيت الله فيما نرجو غريباً داعياً إليه شهيداً، جمعني الله بك في الفردوس الأعلى، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

(المصدر: شبكة الألوكة)