معركة الوعي

معركة الوعي

خطبة جمعبة بمسجد محمد الفاتح 19/11/1438هـ

أعدها أبو البراء عادل بن أحمد باناعمة

– الحمد لله .

هناك لعبةٌ لطيفة يلعبها الأطفال، أو ربما كانوا يلعبونها!

هذه اللعبةُ هي عبارةٌ عن صورة كاملةٍ مقطعةٍ إلى أوصال يتمّ فكها وتركيبها، فإذا وضعتَ كل قطعةٍ في مكانها اكتملتْ عندك الصورة وبانتْ معالمها وعرفتَ ما هي، وإذا فقدتَ شيئاً من هذه القطعِ أو وضعتها في غير مكانها ظلَّتِ الصورةُ ناقصةً مبهمة.

هذه اللعبةُ تُسمى بالإنجليزية (بازل) [puzzle]، والترجمةُ الحرفية لهذه الكلمة هي: اللغزُ.

ولذلك يمكننا أن نسميها بالعربية: (لغز الصورة).

أظنّكم عرفتم (لعبة لغز الصورة)، وربما مارسها كثيرٌ منكم.

نجاحُ اللاعبِ في هذه اللعبةِ يقوم على شيئين اثنين:

أولهما: وجود كامل قطع الصورة لديه، قطعها هي لاقطع صورة غيرها.

وثانيهما: وضعُ كل قطعةٍ في موضعها الصحيح.

فلو فقد اللاعب قطعة واحدةً فقط فلن يتمكن من إتمام الصورة، ولو بدلتْ له بقطعةٍ قطعةٌ أخرى من صورة أخرى فلن يصل إلى نتيجة!

وكذلك لو وضع قطعة واحدةً فقط في غير مكانها فلن تكون النتيجةُ مرضيةً!

هذه اللعبةُ عندي مثالٌ جيِّدٌ جداً للوعي.

متى يكون الإنسانُ واعياً وعياً صحيحاً بقضية ما؟

عندما يجمعُ – أولاً- كل أجزاء هذه القضية وعناصرها دون أن يفوت شيئاً منها، على أن تكون هذه الأجزاء والعناصر صحيحةً ومرتبطة بالقضية.

وعندما يضع – ثانياً- كل جزءٍ في مكانه الصحيح، فلا يقدم ما حقه التأخير ولا يؤخر ما حقه التقديم.

وأيُّ خلل في هذين الأمرين لايتحقق معه الوعيُ الصحيح الكامل، كما أنَّ أي خلل فيهما لايمكن أن يكتمل معه شكل الصورة.

والطريفُ أنه قد جاء في لسان العربِ: “وعى الشيءَ: حفظه وفهمه”. فالوعيُ في اللغةِ إذنْ: حفظٌ وفهمٌ. والحفظُ هو الإحاطة بأجزاءِ الصورةِ، والفهمُ هو وضعُ كل جزءٍ في موضعِهِ.

والمتأمل في القرآن الكريم يجدُ إلماحاتِهِ المتكررةِ لضرورة هذين الأمرين حتى يُدرك الإنسان الصوابَ.

ففي خبر موسى عليه السلام مع الخضر يقول جلَّ جلالُهُ على لسانِ الخضرِ: ((وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا))! أي: “علماً” [تفسير البغوي]

فعدمُ الإحاطة بتفاصيل العلمِ سببٌ في عدم استيعابِ الأمر، ومن ثم عدم الصبر عليه أو اتخاذ موقف خاطئ ضده!لذلك قال الرازيُّ في تفسيرِهِ: “وقوله : ((وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً)) إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي” [التفسير الكبير]

وقال السعديُّ في تفسيره: “أي: كيف تصبر على أمر ، ما أحطت بباطنه وظاهره ولا علمت المقصود منه ومآله”[تيسير الكريم المنان]

فهذه إشارةٌ قرآنية واضحةٌ إلى ضرورة الإحاطةِ بأجزاء الصورة أو القضية أو المعرفة ليدركها الإنسان ويُحسن التصرف إزاءها.

ومثل هذه الإلماحةِ لضرورة استكمالِ الأجزاء والإحاطة بها ماحكاه لنا القرآنُ من خبرِ الهدهدِ مع سليمان عليه السلام، فإنه لما اكتلمتْ عنده معلوماتُ القوم الذين يسجدون للشمس، فعرفهم، وعرف مكانهم، وعرف ملكتهم، وصفة عرشها، لما أحاط بهذا كله نقله إلى سليمان عليه السلام وقاله له: ((أحطتُ بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين)).

فسليمان عليه السلامُ وهو النبيُّ المؤيد بالوحي كان بحاجة لهذه المعلومات ليتصرف التصرف الصحيح، كان لابد له أن يستكمل أجزاء الصورة، وقد سخر الله له الهدهد ليكملها له.

ولذلك قال الشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان: “وسليمان عليه السلام مع أن الله سخر له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد وقال له : ((أحطت بما لم تحط به))”.

وحرصاً من سليمان عليه السلام على أن تكون أجزاءُ المعلومات صحيحةً لا خطأ فيها ولا غش، تحقق بنفسه: ((سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين)) وأجرى عليه السلام تحرياته.

وتأمل كذلك في قوله تعالى: ((بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه))! فهذا إخبارٌ قرآنيٌّ بأنَّ كفار قريش “سارعوا إلى التكذيب … بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه” [تفسير البيضاوي]

وهذا نصُّ كلام البيضاوي رحمه الله.

وإذنْ فعجلتهم وعدم إحاطتهم بتفاصيل المعلومات، وأجزاء المسألة، كان سبباً في تكذيبهم وسوء تصورهم عما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم من عند ربه.

في ظنّي أن هذه الإشارات القرآنية واضحةٌ جداً في الدلالة على أهمية جمع المعلومات في وعي أي مسألةٍ، مع ضرورة أن تكون هذه المعلومات صحيحةً وكاملةً.

أما الشرطُ الثاني للوعي وهو حسنُ ترتيب هذه المعلومات والحقائق، ووضع كل منها في موضعه ، فإنّ القرآن يُلمح إليه من جهتين: جهةِ حصوله وجهة عدم حصوله، وذلك من خلال تكرار كلمتي: الظلم والحكمة ، في سياق المواقف والأخبار .

فالظلمُ في حقيقته: هو وضع الشيء في غير موضعه.

والحكمةُ في حقيقتها: وضعُ الشيء في موضعه.

وفي القرآن: ((وآتاه الله الملك والحكمة))، ((يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً))، ((ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)).

وفيه أيضاً: ((فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم))، ((وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها))، ((ومن يظلم منكم نذقه عذاباً كبيراً)).

فهذه التوجيهات القرآنية المتكاثرة هي أمرٌ بوضع كل شيء في موضعه، ونهي عن وضع الشيء في غير موضعه، وهو جانب الوعي الثاني الذي ذكرناه ، أنه ترتيب المعلومات والحقائق بالشكل الصحيح .

ولعل من اللطيف أن ترى تكرار وصف القرآن لدعوة الأنبياء بالحكمة، وتكرار وصف مكذبيهم بالظلم، وكأن المراد أنهم جاؤوا بالوعي الصحيح بوضع كل شيء في موضعه، وقابلهم المكذبون بتزييف الوعي بوضع كل شيء في غير موضعه!

ولعلك تجد مؤنساً بأهمية وضع كل شيء في موضعه في موقف النبيّ صلى الله عليه وسلم من هجرة الحبشة.

فقد كانت البلدان حول مكة وحول جزيرة العرب كثيرة، ولكل منها ميزةٌ، فما الذي قدمه صلى الله عليه وسلم من هذه الخيارات؟

لقد قدّم خيار العدل، وقال عن الحبشة وملكها: “إنه ملكٌ لايُظلم عنده أحد”.

ربما كانت الشام مثلاً أخصبَ أرضاً، وأوفر رزقاً، ولكنَّ الحقيقة المهمة في هذه المرحلة هي (العدالة) التي لن تخذل هؤلاء اللاجئين ولن تُسلمهم لأعدائهم. ولذلك قدّم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة وعمل عليها، ووضع الأولويات في موضعها.

دعوني بعد هذا التفصيل أجملُ الأمر بوضوحٍ وبيانٍ لئلا ينفلتَ منا خيطُ الحديث.

الفكرةُ باختصار .. أنك لكي تعي موضوعاً ما وعياً جيداً فأنت بحاجة إلى أن تحيطَ بالمعلومات الصحيحة المتعلقة به، وإلى أن ترتب هذه المعلومات بشكل صحيح فلاتقدم ماحقه التأخير ولا تؤخر ماحقه التقديم لكي تتضح لك الصورة، ويتمّ لك الوعيُ الجيدُ.

لماذا أطرحُ هذه القضية الآن؟ وما قيمة إدراكِ هذه المسألة؟

أعتقدُ والله تعالى أعلم أنّنا اليوم نعيش معركةً رهيبةً جداً، صواريخها وطلقاتها وشظاياها تصيبنا جميعاً بلا استثناء، تصيبني وتصيبكم وتصيب من حولنا .. إنها معركةٌ هائلةٌ جداً .. ليس ميدانُها الأرض، وإنما ميدانها العقل.

إنها معركةُ الوعي أيها السادة!

نحن نعيش مرحلة تزييف متعمّدٍ للوعي، مرحلة تحاول أن تعيد رسم نظرتنا للأشياء بمنظورٍ خاطئٍ، مرحلة تحاول أن تجعل معاييرنا في الحكم على الصواب والخطأ مختلفة، مرحلة تحاول أن تجعلنا نرحب بما كنا نرفض، ونرفض ما كنا نرحب به، مرحلة تريدنا أن نكفر بما كنا نؤمن به، ونؤمن بما كنا نكفر به، مرحلة تريدنا أن نقرب ما حقه أن يكون بعيداً، ونبعد ما حقه أن يكون قريباً، مرحلة تريد منا باختصار أن نُخرج ذواتِنا منا ونُدخل مكانا ذواتٍ أخر هي غريبة الوجه واليد واللسان عنا!

باختصار مرحلةٌ تريدنا أن نزيف الحقائق ونضع الأشياء في غير موضعها لنفقد وعينا بالناس والأشياء والمواقف والقضايا.

ومعركةُ الوعي هذه لها ضحايا كثرٌ، منهم صرعى، ومنهم جرحى، ومنهم بين بين!

ولا أجد بوابةً لمواجهة آثار هذه المعركة المدمرة أفضل من أن نعيَ ماهو الوعي، وأن ندرك ماهو السبيل لتكوين التصور الصحيح عن الأشياءِ.

والقرآن الكريم حدثنا كثيراً عن معارك الوعي هذه، وكيف حاول كثيرٌ من أهل الكفر والزيغ والنفاق والكذب أن يضللوا وعي الناس، وأن يفسدوا تصوراتهم.

ففرعون قال للناس: ((أنا ربكم الأعلى))، وأراد أن يقنعهم بأن موسى عليه السلام ومن معه من المؤمنين إنما هم شرذمةٌ ((قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ))! بل صور لهم أنه الحامي لهم ولدينهم الحقّ، فقال في تخاشعٍ: ((إني أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)) !!

هكذا أراد فرعون أن يزيف وعي قومه وأهل عصره، ولكن موسى عليه السلام قاد معركة وعيٍ ضدّ هذا الزيف، فتكشَّفَ، وعرف الناس أن فرعون ليس سوى بشرٍ عاجزٍ، ولما أراد الله أن ينتصر الحق أغرق فرعون، فإذا هو بنفسه يقول: ((آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).

ولما بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قادتْ قريش معركة تزييف الوعيِ، وتكوين القوالب النمطية الزائفة، فاخترعتْ قالب السحر! ((إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً)).

واخترعت قالب الجنون: ((وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون))!

واخترعتْ قالبَ الشعر والكهانة!فرده القرآن ((وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ))

وظلتْ رجالات قريش ووسائل إعلامها تروج هذا الوعي المزيف ليلاً ونهاراً، وتصبه في آذان القبائل، وزوار البيتِ الحرام، حتى تأثر بذلك بعض عقلاء القوم كالطفيل بن عمرو الدوسيّ رضي الله عنه، ولولا أنّ الله أراد له الهداية فأخذ بسببي الوعي: معرفةً وفهماً لما أدركته رحمة الإسلام!

وقصة الطفيل رضي الله عنه نموذجٌ حيٌّ لمعركة الوعي! فحين قدم الطفيل إلى مكة استقبلته قريش وقالت له: ياطفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنَّه ولا تسمعنّ منه شيئا فما زالوا به حتى حشى أُذنيه كُرْسفا –أي: قطناً- خوفاً من أن يبلغه شيء منه، فلما ذهب الكعبة فإذا رسول الله يصلي عند الكعبة ‏ فقام منه قريبا، فلما رجع النبي إلى بيته لحقه وقال: يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يُسمعني قولك، فسمعتُ قولا حسنا، فاعرض علي أمرك، فتلا عليه النبي شيئا من القرآن فقال: والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، ‏‏فأسلم ورجع إلى دوس يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا كلهم, وهاجر معه منهم ثمانون بيتاً!

هذان نموذجانِ قرآنيانِ لمعركة الوعي:

نموذج فرعون في مواجهة موسى عليه السلام.

ونموذج قريش في مواجهة النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم.

ولعلكم لاحظتم أن الأساليب واحدةٌ: تلفيقٌ للأكاذيب، وبعثرة للحقائق في غير موضعها لتبدو على خلاف ماهي عليه!

ولعلكم لاحظتم أن سبيل النجاة واحدٌ أيضاً: معرفة الحقائق كما هي من مصدرها، ووضع كل شيء في موضعه.

إذنْ أيها الأحبة ..

ما أريدُ قوله أنّنا اليوم نعيش معركة طاحنةً على مستوى الأفكار والرؤى والتصورات، وهي معركةُ وعي بامتيازٍ.

ليست الأولى في تاريخ البشرية ولن تكون الأخيرة. ولكنها تعنينا أكثر من غيرها لأننا وقودها وحطبها.

فحريٌّ بنا أن نتحرى لأنفسنا ونثبت ونتأنى وألا ننجرّ خلف كل ناعقٍ!

= الخطبة الثانية.

–       الحمدلة.

دعوني أضربْ لكم أمثلةً لجزئيات هذه المعركة!

هناك من يزيف وعينا اليوم ويريد أن يقنعنا بأن (التطبيع) مع إسرائيل أصبح ضرورةً وأنه تجربةٌ لابدّ أن نخوضها، وأن التعنت العربيّ في قضية القدس وفلسطين لم يعقبنا إلا الخسارات! وأننا ضيعنا سبعين عاماً من عمر الأمة العربية كان يمكن أن يكون مثمراً لو مددنا يدنا لإسرائيل من أول يوم! وقبل شهر من الآن كتبَ مغرد سعوديّ باسمٍ مستعارٍ يقول: “اليوم الكثير من السعوديين متقبلين جداً فكرة التطبيع مع إسرائيل! وأنا أولهم، بل هو ضرورة” [تغريدة لـ (متعب) @antime50 في 1/7/2017]

ومن قبله كتب مغرد سعودي آخر باسمه الصريح يقول: “المصلحة اليوم تقتضي التطبيع، وإذا لم يحدث التطبيع اليوم فغدا سيكون التطبيع مع إسرائيل ضرورة ستفرضها الأحداث” [تغريدة لأسامة خواجي في 29/7/2016]

هناك من يزيف وعينا اليوم ويريد أن يقنعنا بأن (الهوية الدينية) لبلادنا: المملكة العربية السعودية هو عبءٌ عليها، وثقل ترزحُ تحته لابد لها أن تتخلص منه! وأن هذه الهوية هي التي أرجعتنا عقوداً إلى الوراء وحبستنا عن التطور! وقد كتب أحدهم قبل أيام تغريدة يقول فيها: “الحرمين شيء، وباقي السعودية شيء آخر، لا معنى لإلزام الشعب خارج حدود الحرمين بأي شيء ديني كالحجاب والامتناع عن الكحول مثلاً”!  [تغريدة محمد سلامة في 2/8/2017]

هناك من يزيف وعينا اليوم ويريد أن يقنعنا بأنَّ (رجال الدين) – كما يسمونهم- والوعاظ والعلماء والدعاة وجيل الصحوة كله هو السبب في كل بلاء! وأنه لاسبيل للانطلاق إلا باختفائهم من حيث هم! يعني ليست القضية أن هناك أخطاءً معينة في خطاب المشايخ ينبغي أن تصحح مثلاً، بل القضية أنه لاحاجة لهم من الأصل، فكل إنسان (يخارج نفسه مع ربه) وخلاص! والوعظ والدعوة والإرشاد ليست إلا للكافرين لدعوتهم إلى الإسلام فقط!

هناك من يزيف وعينا اليوم ويريد أن يقنعنا دروس الموسيقى أنفع لأبنائنا من حفظ القرآن، وأن موادّ الرياضيات والفيزياء يجبُ أن تنسخ مواد الدين واللغة، وأنَّ إقفال حلقاتِ التحفيظِ هو السبيل (الأوحد!) لتجفيف منابع الإرهاب والقضاء على داعش!

هناك من يزيف وعينا اليوم ويريد أن يقنعنا بأنَّ (العلمانية) خيارٌ جيدٌ لبلادنا! وقد كتب مغرد باسمه الصريح أيضاً يقول: “العلمانية ستحل المشكلة، ستحمي هذا الرجل بألا يجبره أحد على حلق لحيته، وستحمي من يحلق لحيته من هذا الرجل الذي يبحث عن سلطة ليقمع المجتمع” [تغريدة لصالح الطريقي في 11/8/2017]

هذه كلها نماذجُ .. وتحليل كل نموذجٍ منها وبيان زيفه يحتاج وقتاً، وهو من واجب المرحلة بلا ريب، فعسى أن يكون له سبيل.

ولكنّ المهم هنا أن ندرك أن (وعينا) مستهدف، وأن عليك كمرحلة أولى أن تحتاج فيما تسمعُ وتقرأ، وألا تلقي سمعك إلا لمن تثقُ به علماً وعقلاً، وحتى هذا الثقة لاتسلم له بكل مايقول بل أعمل عقلك في حدود ماتحسن، وارفع يديك كل ليلة وقل: (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .

(المصدر: موقع الشيخ عادل بانعمة)