مقدمة كتاب: التعضية في الأحكام الشرعية وأثرها في شذوذ الفتوى

التعضية في الأحكام الشرعية وأثرها في شذوذ الفتوى

بقلم د. اسماعيل عبد عباس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن الله عزَّ وجلَّ حين شرع أحكامه ربطها بمقاصدَ وغايات، فلا تقوم الأحكام إلا بالمقاصد، ولا تقوم المقاصد إلا بالأحكام، لذلك كان لزامًا على الخائض في علم الفقه والأحكام، أن ينزل الحكم على الواقع بما يتحقق به القصدُ، فلا يصح لطالب علوم الشرع أن يمتثل الأحكام من دون أن يعرف مواطن تنزيلها، وما تنبني عليه من نتائج؛ ذلك أنه إذا كان فهم الأحكام ومعرفة مناشئها أمرًا لا مناصَ منه، فإن الاجتهاد في تنزيلها لا يقلُّ ضرورة عنه.

والناظر في هذا العلم يجد إذا نظر بعين الفقيه قواعد مهمة، من بينها ضبط مسيرة الإفتاء والحفاظ على سلامته وعدم شذوذه لما من شأنه أن يوقع الناظر في علوم الشرع عامة، والفقيه على الأخص في مناقضة قصد الشارع من تشريعه للأحكام.

إنَّ ظاهرة شذوذ الفتوى قد برزت في هذا العصر، وأصبحت مظاهر امتدادها لا تخفى على المُطالِع في عدد كبير من الفتاوى الشاذة الغريبة، وقد نتج عن هذه الظاهرة: قلَّة الأدب مع أهل العلم، والتعجُّل في الفتوى، ومصـادرة قول الجماعة، والفَهم المعْوجُّ، والتذبذب في الأقوال، والتناقض في الأفعال، وإعجاب ذي الرأي برأيه، في لهثٍ عجيبٍ على الفتوى في المسائل الكبار التي لو كانت في عهد عمر الفاروق رضي الله عنه لجَمَع لها أهلَ بدر، فعلى مثلِ هذا بكى ربيعةُ بن أبي عبدالرحمن شيخ الإمام مالك، رحمه الله، فقال له رجل: ما يبكيـكَ؟ فقال: “استُفتي مَنْ لا علم له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيم، قال: ولَبعضُ مَن يفتي ها هنا أحق بالسجن من السرَّاق”[1].

قال ابن القيم معلِّقًا: “قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا، وإقدام مَن لا علم عنده على الفتيا، وتوثُّبه عليها، ومدُّ باع التكلف إليها، وتسلُّقه بالجهل والجرأة عليها، مع قلة الخبرة، وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكَر أو غريب؛ فليس له في معرفة الكتاب والسنَّة وآثار السلف، نصيب”[2].

وقد لوحظ في الآونة الأخيرة: شيوع الزلل في الفتيا، والخطأ في الاجتهاد، شيوعًا لم يسبق له نظير في تاريخ فقهنا الإسلامي، والتجرؤ على مناصب الفتيا والاجتهاد، حتى خاض فيها من ليسوا من أهل العلم والاجتهاد المؤهلين للفتيا وبيان الأحكام الشرعية؛ فزادوا فيها ونقصوا، وأفرطوا في تطبيقاتها وفرَّطوا، وحرَّموا وحلَّلوا، وحصل من جراء ذلك: غلوٌّ وتضييق على الناس، أو تفريط وإضاعة، وكان قد انبرى للردِّ على تلك الأخطاء وتفنيد ذلك الشذوذ علماءُ أجلَّاء وأساتذة فضلاء، فأبطلوا ما بها من شبهات، وكشفوا ما بها من زلَّات، وما بحثي هذا إلا جزء من الإسهام في كشف التقصير الذي حدث عند بعض المفتين؛ ممَّا أدَّى إلى شذوذ فتواهم، فاخترت موضوعًا أكتب فيه وهو: (التعضية في الأحكام وأثرها في شذوذ الفتوى) مستفيدًا من مؤلَّف أخي الحبيب الدكتور عمر حسين غزاي، الموسومة: أسباب الخطأ في فتاوى المعاصرين.

وفي الختام فإني كتبت هذا للمتخصصين في مجال الإفتاء من العلماء والباحثين؛ لذلك استغنيت عن كتابة تمهيد أفصِّل فيه مفردات العنوان وكذلك ترك التعريف ببعض المصطلحات الأصولية خشية الإطالة.

وأنا هنا لا أدَّعي لعملي الكمال والتمام؛ إنما قصدي إخراج البحث بالوجه الصحيح، فإن أكُ قد وفِّقت فلله الحمد والمنة، وإن تكن الأخرى فحسبي أني حاولت الوصول إلى الحق وبذلت ما بوسعي من جهد، وإني سائل من حسن ظنه إذا عثر على شيء طغى به القلم، أو زلَّت به القدم، أن يغفر ذلك في جنب ما قربت إليه من البعيد، وقيدت له من الشريد، وأرحته من التعب، وأن يكون في حسبانه أن الجواد قد يكبو، وأن الصارم قد ينبو، وأن النار قد تخبو، وأن الإنسان محل النسيان، وأن الحسنات يُذهبن السيئات، ولست أرى عذرًا لما سهوتُ فيه إلا قول القائل:

وما أبرِّئ نفسي إنني بشرُ     أسهو وأُخطئ ما لم يَحمني قدرُ

ولا أرى عذُرًا أولى بذي زلل     مِنْ أن يقول مقرًّا: إنني بشرُ

واللهَ أسألُ في الختام والتمام أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجزيني به أعظم الجزاء إنه هو الكريم الجواد.


[1] إعلام الموقعين 4 /207 وما بعدها.
[2] المصدر السابق.

(المصدر: شبكة الألوكة)