وَأَعِدُّوا

وَأَعِدُّوا

بقلم سناء محمد طوط – الإسلام اليوم

هناك علم حديث يُسمّى علم المستقبليات هو علم يستشرف المستقبل من خلال قراءة الواقع، ثم يُعدّ للفرضيات المستقبلية خططاً، وهو ما يسمى بـ(صناعة المستقبل)؛ صناعة يجري إعدادها في مراكز بحثية متخصصة.

لكن لهذا العلم هدفاً آخر كذلك لا يقل أهمية عن هدف (صناعة المستقبل) إنه (استيعاب صدمة المستقبل)، ذلك أن الخطط التي نضعها تصطدم غالباً بمؤثرات خارجية مفاجئة لا تقع تحت سيطرة الإنسان وقد تقلب خطته رأساً على عقب، فكما قال المتنبي: تجرِي الرّياحُ بمَا لا تَشتَهي السّفُنُ.

ولأن الصدمة تعرقل الإنجاز، وتشل قوى الإنسان، وتؤخر إفاقته، وربما قتلته أحياناً، فإنه لابد من استيعابها، ويتم استيعاب الصدمة بوضع الفرضيات الأسوأ أو توقعها ثم التفكير بما وراءها.

وإن كان هذا يصح في علم المستقبليات فهو يصح كذلك في حياتنا اليومية، فإن الحياة ملأى بالصدمات: صدمة الفراق، وصدمة الخيانة، وصدمة الفشل.. وغيرها.

وتعلُّم استيعاب الصدمات هو جزء من التكوين الإيماني والتربية الإسلامية لأنه رديف (الصبر)؛ كما جاء في الحديث الشريف: « إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى »، فبيَّن أن الصبر هو استيعاب الصدمة عند وقوعها.

 لهذا نجد الشريعة تدرّب المؤمنين على توقع كافة الفرضيات.

ففي مجال القتال مثلاً نجد الوعد بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.

ذلك أن على المؤمنين توقع الهزيمة، وتوقع الهزيمة ليس تشاؤماً بل إعداد للمستقبل، وإنما يكون التشاؤم بالجزم بالهزيمة أو الركون إليها.

 بل إن ربنا سبحانه سمّى الموت هنا (شهادة)، وهي نظرة إيجابية للهزيمة تعقبها نظرة إيجابية أخرى وهي العمل لما بعد الهزيمة على اعتبار أنه {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} (140:آل عمران)، فلا حال يدوم، ونظرة إيجابية ثالثة هي الاحتفاظ بالروح المعنوية العالية: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (139:آل عمران)، إن هذا النوع من الإعداد النفسي والإيماني لهو أهم من الإعداد المادي؛ لأن تأثيره ممتد إلى المستقبل.

 ومثال آخر على هذا النوع من الإعداد إنه الإعداد للموت، فالمؤمن يضع إزاءه فرضيتين: الحياة أو الأسوأ وهي الموت (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً)؛ مبدأ لا يتجنب صدمة الموت وحسب بل يواجهه بروح معنوية عالية على اعتبار أنه (راحة من كل شر) وأنه (لقاء الله)، وأنه (دار النعيم والخلود).

 ومثال ثالث هو الاستعداد للخيانة، ففرضية الخيانة يجب أن تكون قائمة في حسابات المسلم {وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} (71:الأنفال)، ويواجهها بروح إيمانية إيجابية هي الثقة بالله أنه سيمكن منهم {وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} (52:يوسف)، ثم يعمل بالخطة المستندة إلى هذه الفرضية.

 وهكذا فأعظم الإعداد إعدادُ النفوس الكبيرة بصبرها الإيجابي وإيمانها الراسخ، تلك هي القوة الحقيقية، إنه إعداد قوة مكنت المؤمنين من تجاوز هزيمة أُحد، ثم بئر معونة، ثم يوم الرجيع، ثم يوم الأحزاب.. صدمات تتالت واحدة تلو الأخرى وصولاً إلى فتح مكة.. إنه احتراف صناعة الأئمة وقادة المستقبل.