تقارير وإضاءات

تحارب الحجاب .. كم بقى على أوروبا لتنصب محاكم التفتيش؟!

أحسنت وزيرة الأسرة التركية الشجاعة، فاطمة بتول قايا حين أدانت في قلب الأمم المتحدة قرار محكمة العدل الأوروبية الذي يبيح لأرباب العمل حظر الحجاب، ولو تحت لافتة أنه “يقوي موقف المتطرفين” فحسب.

الأكاديمية المهندسة الطبيبة بتول (36 عاماً)، أطلقت تصريحها هذا فيما لم يكن قد مضى أكثر من ثلاثة أيام على منعها من مواصلة سيرها في مدينة روتردام الهولندية لمخاطبة مواطنيها الأتراك بالقرب أو عند القنصلية التركية، في سياق تشنج محموم من السلطة الهولندية لمنع وزيرة من التعبير عن رأيها بحرية في بلاد تدعيها، أعقبه ترحيل مهين للوزيرة التي لم تخالف القانون قِيد أنملة، ساعية لممارسة حقها الطبيعي الذي ظنت أن أوروبا لم تتمسك به كتجسيد لإيمان القارة الأوروبية بحرية التعبير عن الرأي، والحركة!

ما حصل مع الوزيرة مثل عبرة ونموذجاً يرسم صورة قاتمة لحدود تحرك الأوروبيين تجاه المسلمين بصفة عامة، حيث لا اعتبار لمكانة الوزيرة ولا لقيمة الحرية ولا لقانون البلاد وأوروبا برمتها.

المزامنة مزعجة بشكل لافت.. أيام كانت تفصل ما بين احتفاء واحتفال أوروبا والعالم الغربي بـ”يوم المرأة العالمي”، الذي تثرثر فيه مؤسسات أوروبا الحقوقية وبرلمانها واتحادها بحقوق المرأة، وتدفع باتجاه “تمكينها” و”تعليمها” و”حريتها”، فلما حصلت المرأة على هذا كله.. أهانتها! فشخصية الوزيرة هي نموذج لما يقول الغرب كله إنه يتطلع إليه، أعلى المناصب، أرقى التعليم الشرقي والغربي، “حرية واسعة”، وفي الأخير: “اخرجي أيتها الوزيرة وإلا كسرنا سيارتك”!

المزامنة مزعجة كذلك، فلم تمض تلك الأيام القلائل حتى طعنت محكمة “العدل” الأوروبية مفهوم “الحريات الشخصية” في مقتل بسماحها لأرباب العمل باختيار الملبس الذي يريدونه للمرأة، بحيث يمكنهم إجبار المحجبات على خلع حجابهن وإلا فقدن وظائفهن دون النظر إلى كفاءتهن المهنية.
قبل شهور، كانت فرنسا تطارد مرتديات “أنصاف وأرباع وأثمان الحجاب” على الشواطئ لتحديد ما ينبغي لهن ارتداؤه وما لا يجوز!

ارتكاس سريع لمفهوم الحرية الذي لم يلبث عمره طويلاً في أوروبا، سرعان ما تعرض لمحن متعاقبة، تتلاقى جميعها وتتكاثر لترسم صورة حالكة السواد للمستقبل؛ فليس فيما تقدم سوى شظايا لتفجرات الاضطهاد المتصاعد للمسلمين في أوروبا؛ فمع الإدراك أن أوروبا لم تكن يوماً متسامحة مع المسلمين، فما حرب البوسنة والهرسك منها ببعيد، والتي برهنت بوضوح على أن المجازر والمحارق التي ينفذها الأوروبيون للمسلمين ليست مقصورة على قارتي آسيا وإفريقيا، وإنما ليست ثمة موانع أبداً لحصولها في قلب أوروبا ذاتها.

في البلقان، طرقت أوروبا كل سبيل لكيلا تقوم للمسلمين دولة، ولو علمانية، فتنوعت الوسائل: المذابح بأيدي الصرب، والتواطؤ من نصيب الأوروبيين؛ فحظروا السلاح عن المسلمين وحدهم، وأسلموهم لمصائر القتل والتهجير والاغتصاب وتجارة الأعضاء والبشر.. الخ، ثم بالضغط على الساسة المسلمين لتوقيع اتفاقية دايتون المذلة للمسلمين.

ثم كانت هدنة، لم تدم طويلاً.. قالها الخبيث الداهية شارون محذراً الأوروبيين: ستكون قارتكم مسلمة بعد سنين إن لم تعاجلوا مسلميها.. لم يتأخر الأوروبيين؛ فكانت زيارة رئيس فرنسا الأسبق ساركوزي (وزير الداخلية والأديان حينها) لشيخ الأزهر السابق طنطاوي، مستصدراً فتوى ضد المحجبات، وتوالت ببطء ثم تسارعت حملات اضطهاد المحجبات.

بدأ القلق يساور مفكري وساسة وقساوسة أوروبا من سرعة انتشار الإسلام؛ فتسارعت الإجراءات والقوانين حول المساجد والحجاب، وكبرت كرة الثلج بسرعة في سنين قصيرة، لم يهنأ معها المواطنون المسلمون والجاليات المسلمة طويلاً بأجواء الحرية التي منحتهم إياها قوانين أوروبية قيل إنها لا تفرق بين مواطن وآخر، ودين وآخر!

انضمت لكرة الثلج ممارسات عنصرية عديدة: اعتداءات على مسلمين ومسلمات، حرق أو إساءة لمساجد ومعتقدات، اضطهادات وظيفية، صعود لليمين المطالب برحيل المسلمين الأجانب.. زادت الكرة حجماً أكبر مع تدفق لاجئين سوريين وعراقيين ألجأتهم سياسة أوروبية مجرمة حيال الثورتين السورية والعراقية، وانحيازها للطغاة والجلادين.. بدأ الصوت يعلو: لا نريد لا أجانب ولا حتى مواطنين مسلمين!

وضعت أوروبا “الحرة” مساراً وحيداً للمسلمين: اندمجوا وإلا ارحلوا؛ فأما الرحيل فمعروف لا يحتمل التباساً، وأما “الاندماج” فكلمة مطاطة يمكن مطها لتشمل تغيير المسلم دينه أو إخفاءه لشعائره..

باختصار: صارت “أوروبا الحرة” “أَمَة”، تعبد عنصريتها وتعصبها وصليبيتها بوضوح أكبر.. لكن من عظمة الإسلام أنه يفرض وجوده وكلمته حتى على أعدائه.. فذات يوم احتار الطاغية كيف يقتل الغلام المسلم بعد نجاته من كل محاولات الاغتيال والغدر؛ فرسم الغلام للطاغية خريطة الطريق: ارمني بسهمي وأنت تقول بسم الله رب الغلام؛ ففعل فآمن الناس [1] وأوروبا تفعل الشيء ذاته اليوم: تضيق على المسلمين وهي تقتل قيمها الحديثة معهم؛ فتدوس بأقدامها شيئاً فشيئاً ما تعده مكتسبات الحريات والديمقراطية وسيادة القانون، وتبدأ في التنكر لكل هذا تدريجياً حتى تعود إلى سابق استبدادها، إذ لا يمكنها اقتلاع مواطنيها المسلمين من دون أن تقتلع قيمها وتنتهك قوانينها، وهي الآن قد بدأت.

بدأت تراجع قوانين الجنسية، وتسيج حدودها، وتفكك وحدتها، وتعود ليمينيتها المتطرفة.. سيتضرر المسلمون كثيراً، لكن أوروبا نفسها ستفقد حيوتها وريادتها الحرة المظنونة.

لقد تخلصت من قريب من آثار محاكم التفتيش التي تفشت فيها من بعد إنشائها في أندلسنا المفقود بعد اجتياحه، وظنت أن وجود أقليات صغيرة تكبر ببطء فيها لا يضر تجانسها الديني والإثني، لكنها اليوم – وفقاً لتقاليدها الدينية وقيمها الرومانية الموروثة – ستجد نفسها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة واستبداداً حيال مسلميها بعدما فقدت كنائسها بريقها لديها، وتزايدت معدلات الدخول في الإسلام فيها لدرجة غدت بالغ الخطورة بالنسبة إلى عقيدتها الدينية.

لقد بات من العسير عليها إيقاف قاطرة اليمين فيها؛ فكل مغذيات الشعور العنصري الصاعد في أوروبا أضحت متوفرة بكثافة، وشعوب أوروبا مهيأة للتجييش والتسيير في طريق اللاعودة. عشرات ملايين المسلمين في أوروبا أصبحوا يمثلون تهديداً مع نموهم المضطرد في قلب قارة عجوز تتراجع فيها معدلات النمو السكاني بالأساس.. هذا يجعل التربة خصبة لليمين المتطرف في أوروبا.. هذا يجعل الطريق إلى محاكم التفتيش بعد سنين قد لا تطول كثيراً معبداً أكثر من أي وقت مضى.

“والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

_____
[1] في قصة أصحاب الأخدود التي وردت في كتاب الله وفسرتها السنة، وفيها: “إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: باسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ، فجمع الناس في صعيد واحد ، وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : باسم الله رب الغلام ، ثم رماه ، فوقع السهم في صُدْغِهِ ، فوضع يده في صُدْغِهِ في موضع السهم فمات ، فقال الناس : آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام، فأُتِيَ الملكُ فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ، قد والله نزل بك حَذَرُكَ ، قد آمن الناس”

(المصدر: موقع المسلم)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى