تقارير وإضاءات

ميدل إيست آي: هذه تركة برنامج مايكل بلومبيرغ للرقابة على المسلمين

ميدل إيست آي: هذه تركة برنامج مايكل بلومبيرغ للرقابة على المسلمين

نشر موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، تقريرا تحدث فيه عن برنامج عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ، للرقابة على المسلمين.

وتطرق التقرير الذي ترجمته “عربي21″، إلى تسلل آلاف المخبرين إلى المساجد والمطاعم والجمعيات الخيرية، بحثا عن “متشددين”، مؤكدا أنه “لم يتم إلقاء القبض على أحد”.

وتاليا نص التقرير كاملا

عندما تلقى أسد دانديا طلب صداقة عبر الفيسبوك، لم يفكر بالأمر كثيرا.

كان هذا الطالب الجامعي ينشط ضمن جمعية خيرية دينية، ولذلك كان من الشائع بين الناس أن يتعارفوا ويتواصلوا عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، ويقدموا تبرعاتهم العينية والنقدية.

كما كان دانديا وذلك الرجل يشتركان في العديد من الأصدقاء، ولذلك لم يتأخر في الرد على تلك الرسالة التي طلب عبرها مرسلها منه النصح والمشورة حول كيف يصبح مسلما بشكل أفضل، يلتزم بشعائر الدين.

أصبح الاثنان صديقين خلال الشهور القليلة التي تلت تعارفهما، ثم بادر دانديا بدعوة صديقه ليزوره في بيت العائلة، حيث قابل والديه وتناول الطعام على مائدتهم. بل وقد بات في إحدى الليالي عندهم.

إلا أن دانديا لم يعرف أن الرجل الذي تواصل معه لم يفعل ذلك بهدف إصلاح نفسه، أو لكي يكون صداقات جديدة، أو ليقدم العون للجالية. بل اعترف فيما بعد أنه كان يتلقى ألف دولار في الشهر، لكي يتجسس على دانديا لصالح دائرة الشرطة في مدينة نيويورك.

تبين فيما بعد أن ذلك المخبر كان جزءا من شبكة واسعة من الجواسيس الذين يعملون بتكليف من مكتب مايكل بلومبيرغ، عمدة نيويورك في ذلك الحين، لمراقبة ورصد الجالية المسلمة في مدينتي نيويورك ونيوجيرسي.

في تصريح لموقع ميدل إيست آي، قال دانديا، الذي يواصل حاليا تعليمه العالي في جامعة كولومبيا: “لقد تعرضنا للهز والخض”.

شغل بلومبيرغ منصب عمدة مدينة نيويورك في الفترة من 2002 إلى 2013، وأشرف خلالها بنفسه على برنامج “التوقيف والتفتيش” المؤذي الذي استهدف الأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية، واستهدف المسلمين بالرصد والمراقبة.

تبعات التمييز

وكما هو الحال مع دانديا، مازال مئات الآلاف من المسلمين في نيويورك ونيوجيرسي يعانون من تبعات التمييز الذي كان يمارس تجاههم بسبب إجراءات بلومبيرغ، وهي الإجراءات التي خلفت تركة من الشك والريبة بين مكونات المجتمع المختلفة وازدراء شديدا تجاه الشرطة.

فيما بعد تلقى دانديا المساعدة من مشروع “كلير” الذي بادرت به جامعة سيتي يونيفيرسيتي في نيويورك، وكذلك من اتحاد الحريات المدنية الأمريكي، وانضم إلى مجموعة رفعوا قضية ضد المدينة متهمين إياها بممارسة مراقبة غير مشروعة.

ولذلك انزعج ضحايا ممارسات بلومبيرغ عندما رشح نفسه لانتخابات الرئاسة الأمريكية، وراحوا يتساءلون كيف أمكن لمثله أن يتم اقتراحه مرشحا عن الحزب الديمقراطي.

المتشددون المفترضون

بتوجيه من بلومبيرغ بوصفه عمدة نيويورك، قامت وحدة الدراسات السكانية في إدارة شرطة نيويورك تساعدها في ذلك وكالة المخابرات الأمريكية (السي آي إيه) سرا، بعمل مسح ميداني تفصيلي للجالية المسلمة، وتم لهذه الغاية إرسال مخبرين إلى المساجد ليراقبوا الخطب الدينية، وإلى المقاهي للتنصت على ما يجري بين روادها من حديث، وكذلك إلى رحلات القوارب النهرية بحثا عمن يمكن وصفهم بالمتشددين.

إضافة إلى أن البرنامج الذي بدأ بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، استهدف بشكل غير شرعي جالية بعينها، فقد أخفق في توفير دليل جنائي واحد، وذلك بحسب ما كشف عنه تقييم داخلي أجرته إدارة شرطة نيويورك.

تتذكر عائشة عرفان، وهي مواطنة في مدينة نيويورك وكانت تدرس في كلية بروكلين في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، أنها في سن الثامنة عشرة حُذرت من أن الجامعة تغص بالمخبرين الذين يعملون لدى الشرطة، ولذلك توجب عليها أن تراعي ما تقول وبمن تثق.

وبسبب الخشية من المراقبة، اضطر الشباب المسلم إلى النأي بأنفسهم عن التجمعات والامتناع عن المشاركة في الحياة الاجتماعية أو المدنية، وهذا يعني في نهاية المطاف أن لا مفر أمامهم من أن ينأوا بأنفسهم بعضهم عن بعض.

تقول عائشة عرفان: “عندما كشفت وكالة الأسوشييتد بريس عن الأمر، وجدنا الوثائق الحكومية تغص بالتفاصيل الحميدة عن جامعتنا، لدرجة أنهم دونوا أن مجموعة من المسلمين يتوجهون إلى محل فطائر دانكن دوناتس بعد صلاة الجمعة”.

بينما اعتذر بلومبيرغ عن إجراءات التوقيف والتفتيش التي استهدفت بشكل أساسي السود والملونين من الناس، إلا أنه استمر في الدفاع عن برنامج المراقبة، بحجة أن ذلك كان بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر مباشرة، حينما كان الجميع مرعوبا من احتمال وقوع هجوم آخر.

يذكر أن عمدة مدينة لندن الحالي بيل دي بلازيو، هو واحد من قلة قليلة من السياسيين الذين انتقدوا البرنامج، بل وصفه مؤخرا بأنه “إخفاق”.

قال بلازيو: “بوصفي الشخص الذي أوقف برنامج مراقبة المسلمين الذي بدأه بلومبيرغ وكانت نتائجه عكسية، سوف أخبركم بما لن يقوله هو لكم. في واقع الأمر لقد أصبحنا بسببه أقل أمانا؛ فقد ولد الاستياء والريبة، في الوقت الذي نحن أحوج ما نكون فيه إلى إحداث تقارب ما بين شرطتنا ومجتمعنا المسلم”.


تركة المراقبة

في حي أستوريا بمنطقة كوينز، وهي من مناطق مدينة نيويورك التي تعيش فيها نسبة معتبرة من السكان العرب والمسلمين، يقول زهران ممداني، إن آثار إجراءات المراقبة التي بدأها بلومبيرغ مازالت قائمة.

ويذكر ممداني أن الشرطة كانت تدون عدد المرات التي كان الفتيان يجتمعون فيها داخل الحديقة المحلية للعب كرة القدم.

وفي مقابلة مع موقع ميدل إيست آي، قال ممداني الذي ترشح لعضوية مجلس ولاية نيويورك: “كنا نشاهد وحدة الدراسات السكانية وهي تجوب شارع ستينواي لمراقبة المسلمين، سواء كانوا في محلات الحلاقة  أو في المتاجر أو المقاهي أو في محلات النرجيلة أو في المساجد، لم يكن مهما أين توجدوا. فحتى لو لم يوجد في المنطقة سوى مسلم واحد، كان ذلك يعدّ مصدرا للشك”.

وأضاف ممداني: “تلك هي التركة التي يضطر الناس للعيش في أجوائها، وهي فكرة أننا يجدر بنا تجنب القيام بأي شكل من أشكال العمل الجماعي، لأن رد فعل الولاية سيتمثل في مراقبتنا، بل وفي سجننا”.

إلا أن بلومبيرغ طالما قلل من حجم وأثر سياسة المراقبة التي مارستها إدارته.
وفي مقابلة مع إذاعة بيه بي إس في أواخر شهر شباط/فبراير، قال بلومبيرغ إن مكتبه كان قد “أرسل بعض الموظفين إلى بعض المساجد للاستماع إلى الخطب التي يلقيها الإمام. وكانت المحاكم قد خلصت إلى أن ذلك كان ضمن القانون، وأن ذلك بالضبط هو ما توجب علينا فعله”.

كما استمر في الإصرار على تبرير استهداف المجتمع المسلم دون غيره بتلك الإجراءات.
وأضاف: “ينحدر جميع هؤلاء الناس من مكان واحد وينتمون إلى دين واحد، ولو كانوا ينتسبون إلى دين آخر لفعلنا الشيء نفسه”.

إلا أنه لم يصدر عن محكمة واحدة حكم بأن البرنامج كان قانونيا، ولا أدل على ذلك من أن عدة قضايا رفعت في المحاكم ضد برنامج مدينة نيويورك.

في القضية التي رفعها رضا ضد مدينة نيويورك وانضم إليها دانديا، تضمنت التسوية النهائية التي أقرتها المحكمة في ذار/آمارس من عام 2017، “تم التأسيس لعدد من الإصلاحات التي صممت لتوفير الحماية لمسلمي نيويورك من إجراءات الرقابة غير المبررة التي تستهدفهم دون غيرهم”.

وصفت فرحانة خيرة، المدير التنفيذي لجمعية المحامين المسلمين، وهي منظمة حقوق إنسان وطنية أمريكية، تأكيدات بلومبيرغ بأنها “مجرد خيال”.

وقالت خيرة: “ما حدث في مدينة نيويورك مثل انتهاكا كبيرا للحقوق المدنية، تسبب في إلحاق الأذى بما لا يحصى عدده من المسلمين الأمريكيين، وينبغي على العمدة بلومبيرغ تصويب السجل في الحال”.

إخفاق المجتمع المسلم في تنظيم نفسه

 
في حي هارليم، الذي يقع في الجزء الشمالي من مانهاتن، عانى كثير من المسلمين من إجراءات التوقيف والتفتيش التي استهدفت الأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية، كما عانوا كذلك من استهداف المسلمين بالمراقبة والرصد.

يقول الحاج طالب عبد الرشيد إمام مسجد الأخوة الإسلامية في حي هارليم، إن المجتمع المسلم أخفق في تنظيم نفسه وفي الرد بشكل جماعي على إجراءات بلومبيرغ وما تمخضت عنه من تداعيات.

ويضيف عبد الرشيد: “لو أن أي جماعة أخرى تعرضت لمثل هذه المعاملة، لكانت تصرفت سياسيا وردت عليه”.

ويقول عبد الرشيد، إنه إذا ما أخذنا بالاعتبار أن بلومبيرغ رشح نفسه للرئاسة، فإن رفضه الاعتذار وإصراره على الإقرار بخطأ برنامج المراقبة، يوحي بالكثير عن مواقفه المناوئة للمسلمين.

وقال: “من الواضح أن بلومبيرغ لم ير في ذلك تجاوزا لأنه يُنظر إلى المسلمين في أرجاء الولايات المتحدة كافة بعين الشك”.

تتفق معه عائشة عرفان التي تقول: “لقد تم إخضاع مليون مسلم لبرنامج رقابة سري وغير قانوني، ومع ذلك، ورغم تجييش أكبر جهاز شرطة في البلاد ضد المسلمين، لا يرى بلومبيرغ أن الأمر يستحق الاعتذار”.

يقول دانديا إنه ليس مهتما بالحصول على اعتذار يذر الرماد في العيون، وإنما يريد أن يرى صرف تعويضات للضحايا.

ويضيف دانديا: “أما وقد خرج بلومبيرغ من السباق، فإنه يتوجب عليه أن يتأمل في الأذى الهائل الذي تسبب فيه للمجتمعات الملونة في أثناء وجوده على رأس عمله كعمدة لمدينة نيويورك، ويتوجب عليه أن يدفع تعويضات مادية لجميع من ألحق الأذى بهم، فهو من أغنى الرجال في المعمورة، ولديه القدرة على فعل ذلك. كما يتوجب عليه الاجتماع بالمسلمين ليقول لهم كيف يمكنني خدمتكم؟ إلا أن بلومبيرغ من خلال تأييده لبايدن، يثبت أنه لا يرى الالتزام بإجراء أي تغيير هيكلي أو دفع أي تعويضات، وأنه يفضل تبني السياسات نفسها التي استفاد منها شخصيا على حسابنا”.

(المصدر: عربي21)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى