تقارير وإضاءات

“ميدان” يحاور الريسوني.. عن نظام الحكم في الإسلام ومآلات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

“ميدان” يحاور الريسوني.. عن نظام الحكم في الإسلام ومآلات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

إعداد محمد فتوح

في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2018 انتُخب الدكتور أحمد الريسوني رئيسا لاتحاد علماء المسلمين، خلفا للشيخ المؤسس د. يوسف القرضاوي والذي ظل على رأس الاتحاد مدة أربع عشرة سنة، الاتحاد الذي تأسس في عام 2004 من مدينة “دُبلن” بإيرلندا قبل أن ينتقل إلى الدوحة في 2011 مع بداية الربيع العربي.

أتى الرئيس الجديد الشيخ أحمد الريسوني في ظروف إقليمية متغيرة، فقد انحسر مد الربيع العربي ووُلدت موجات الردة على الحرية السياسية للشعوب، مع خفوت لتكتلات الإسلام السياسي، وفشل تجربة الإخوان في مصر كذلك، ووسط حالات من الحروب الداخلية في سوريا واليمن وليبيا، وحراك تحت الرماد في الشمال الأفريقي. ولم يكن أعضاء الاتحاد أفضل حالا، إذ أُدرج بعض رموزه على قوائم الإرهاب من قِبل الإمارات والسعودية ومصر، ولقي البعض الآخر اتهامات تصل للمطالبة بالإعدام لمجرد الانتساب للاتحاد أو حيازة كتب ليوسف القرضاوي، كما هي التهمة التي واجهها الدكتور سلمان العودة.

لذلك، اتجهنا في “ميدان” لإجراء حوار مع الدكتور أحمد الريسوني، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، حول دور الاتحاد وسط هذه الظروف الإقليمية، كما تطرق حوارنا إلى نظام الحكم في الإسلام وملامحه، وتصورات الإسلاميين حول الشريعة والدولة، وكان ذلك إثر مقال للدكتور الريسوني الذي أُعيد نشره على موقع الاتحاد بعنوان مستقبل الإسلام بينالشعوب والحكام وأثار حالة من الجدل.

الدكتور “أحمد الريسوني” رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (مواقع التواصل)

الإسلام ونظام الحكم

ميدان: دكتور أحمد، عبّرت في مقالك الأخير عن فكرة مفادها أن الخلافة وسيلة وليست غاية الحكم الإسلامي، الأمر الذي دفع البعض إلى تشبيه ما ذكرته بكتاب علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم”، واعتبار ما طرحته دحضا لما أسموه “نظام الحكم في الإسلام”، فما ردك؟

الريسوني: قلت إن الدولة في الإسلام وسيلة وليست مقصدا مطلوبا لذاته.. والوسائل جزء من الشريعة، وهي نصف الشريعة أو أكثر. وكون الدولة وسيلة وليست مقصدا لا يجادل فيه إلا من حاز الجهل كله وأوتي الغباء كله. والإمام عز الدين بن عبد السلام يقول: “ولا شك أن نصب القضاة والولاة من الوسائل إلى جلب المصالح العامة والخاصة. وأما نصب أعوان القضاة والولاة فمِن وسائل الوسائل..”. وأما الشيخ علي عبد الرازق رحمه الله، فقد أخرج من الإسلام الدولة والسياسة والحكم والقضاء، واعتبر أن الإسلام لا علاقة له بهذه الأمور.. طبعا نحن نتحدث عما جاء في كتابه، أما حقيقته وما استقر عليه أمره فالله أعلم به.

   

ميدان: هل تؤمن بأن الإسلام يحوي نظام حُكم محددا وواضح المعالم والأركان؟

الريسوني: نظام الحكم مصطلح سياسي دستوري، يراد به شكل الحكم وهياكله، وتحديد الصلاحيات والحقوق والواجبات لكل منصب من مناصب الحكم، وتفصيل الحدود والعلاقات بين المؤسسات، وفي مقدمة ذلك تحديد طريقة تولية الحاكم والحكومة، وطريقة محاسبتهما وإنهاء ولايتهما.. أي ما ينص عليه اليوم في الدساتير والقوانين التنظيمية للدول. وهذه أمور متغيرة متطورة، تفصَّل حسب كل زمان ومكان وظرف، وتسمى بالأسماء المناسبة لها، أو بالأسماء المتعارف عليها.

وبهذا المعنى لا يوجد في الإسلام نظام للحكم، وإنما توجد أسس وموجِّهات ومبادئ عامة، يجب التزامها والبناء عليها؛ كالعدل والشورى والحكم بما أنزل الله ومساءلة الحكام… والمسلمون عبر التاريخ أنتجوا واقتبسوا وجربوا عدة أنظمة ونماذج للحكم، فيها من الإسلام الشيء الكثير، وفيها من مخالفة الإسلام، أو مما هو مأخوذ من غير الإسلام، الشيء الكثير أيضا. ونحن لا يلزمنا من ذلك كله إلا مبادئ الإسلام المنصوصة وقواعده المعتمدة.

الريسوني: أنت تقول ماذا لو استحال تطبيق الشريعة في الدولة القومية؟ والجواب الفقهي الأصولي هو: كل ما استحال فعله سقط وجوبه، ويبقى الاشتغال بالممكن

ميدان: المسلمون جربّوا حينما كانوا على رأس السلطة، لكن ماذا لو استحال تطبيق الشريعة في الدولة القومية؟ ما الحل إن كان النظام الدولي يفرض مجموعة من المحددات؟ فلا يلبث “حزب إسلامي” يصل للحكم حتى يُزاح عسكريا بمباركة دولية؟

الريسوني: أولا: هذا سؤال ميداني، يهم الحركات والأحزاب الإسلامية وقياداتها السياسية.

وثانيا: أنت تقول: ماذا لو استحال تطبيق الشريعة في الدولة القومية؟ والجواب الفقهي الأصولي هو: كل ما استحال فعله سقط وجوبه، ويبقى الاشتغال بالممكن. وفي الحديث: ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم. وهذا المعنى مقرر في عدد من الآيات. والقاعدة عندنا: لا وجوب مع العجز، ولا تحريم مع الاضطرار، والحمد لله رب العالمين. بعض الناس يورطون أنفسهم فيما لم يكلَّفوه، ثم يحاولون الخروج من ورطاتهم بورطات أخرى! على كل حال أنا أومن بالاشتغال فقط في دائرة الممكنات، وبالتدرج الحكيم، بديلا عن الطموحات الطوباوية المتعذرة، ولكل أجل كتاب.

ميدان: ما رأيك بالأطروحات -مثل كتاب “الدولة المستحيلة” لوائل حلاق وغيرها- التي ترى أن بنية الدولة القومية الحديثة غير قابلة للأسلمة، باعتبارها منتجا علمانيا، وأن نظام الحكم الإسلامي مغاير في مضمونه وبنيته لبنية الدولة الحديثة؟!

الريسوني: أنا لم أقرأ هذا الكتاب، لكني أنا أقول أيضا: إن “الخلافة” و”الدولة الإسلامية” بمعناها العباسي أو الأموي أو العثماني.. هذه دولة مستحيلة اليوم. لكن الحكم الرشيد الذي جاء به الإسلام ممكن اليوم وغدا، وهو أقرب وأيسر مما يتوهمه دعاة “الدولة المستحيلة”، ويمكن تحقيقه بتعقل وتدرج ومرونة وواقعية، والميسور لا يسقط بالمعسور، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.[أ] لكن مسار هذا الهدف الشرعي له خصوم كثيرون، ومنهم دعاة “الخلافة الجاهزة المنتظرة”، التي ستخرج علينا ذات صباح، أو كالتي أُعلن عنها في الموصل سنة 2014.[ب]

كتاب “الدولة المستحيلة” لـ “وائل حلاق” (مواقع التواصل)

  

ميدان: في الأصل، ما محددات الدولة التي يمكن أن “يرضى عنها الإسلام”، هل مجرد الاحتكام للشريعة؟

الريسوني: أنا لست ناطقا باسم الإسلام. ولكن الذي عليه إجماع أهل السنة هو أن دولة الخلفاء الراشدين تعدُّ دولة نموذجية للمسلمين، أعني في هديها الإسلامي ومشروعيتها الشورية وسائر صفاتها الأساسية؛ كالعدل والحرية والنزاهة والشفافية. لكن من حيث الأشكال والوسائل والأدوات والواجبات الزمنية.. فالأمور تختلف كثيرا، والمعول عليه في ذلك هو الاجتهاد والشورى لكل زمان ومكان وحال، بما يحقق مصالح الإسلام والمسلمين على أفضل وجه ممكن. ولا بأس من الاقتباس والاستفادة من أي فكرة أو تجربة مفيدة لدى غير المسلمين، بل ذلك مطلوب ومستحب ومسنون.

ميدان: الأولوية في الدولة القومية للقانون على حساب النص الديني التشريعي، حتى وإن كانت الدولة مُسلمة، فإذا تعارض النص التشريعي مثلا مع الأمن القومي أو مصلحة الدولة الاقتصادية، فإن الأولوية هنا تُعطى للواقع على حساب النص، فكيف يمكن معالجة هذا الإشكال إن افترضنا قدرة النص على التكيف مع الواقع؟

الريسوني: أنا لا يوجد عندي وفي فكري أي تعارض حقيقي بين النص الديني والأمن القومي، وعلماء الأصول وضعوا القواعد لتجاوز كل حالات التعارض والخروج من كل المضايق الممكنة، ومنها حالات تعارض المصالح والمفاسد. ففي النهاية والنتيجة، وبعد إعمال تلك القواعد، لا يبقى تعارض بدون جواب وبدون حل. وأتذكر هنا قاعدة رائعة لإمام الحرمين يقول فيها: كليات الشريعة دالة على أن الأمور لا تبقى معلقة لا فيصل فيها.

   

ميدان: هل أطروحات الإسلاميين التي تسعى للتكيف مع العلمانية المهيمنة على الفضاء العام هي نتاج ردة فعل، ونتاج أزمة، عوضا أن تكون منطلقة من أساس فكري متين؟

الريسوني: بعض أسلافنا من الإسلاميين المعاصرين بالغوا في المخالفة والمفاصلة مع “الآخر”، وكأننا وإياه خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا.. وهذا غير صحيح.. فإذا وجدنا اليوم من الإسلاميين من يصححون هذه المبالغة ويضيقون دائرة التمايز والتضاد، ويوسعون دائرة الوفاق، فهو أمر مستحسن. يجب أن نبصر ونعترف بأن عالمنا وعصرنا فيهما خير كثير، مثلما فيهما شر كثير. فيجب أن نرى الوجهين معا، ونعطي كل ذي حكم حكمه وكل ذي حق حقه. وعلماؤنا يقررون مطمئنين أن “أحكام الشريعة تقرير وتغيير”. وكل قبول وتقرير، أو رفض وتغيير، يجب أن يوزن في ذاته بميزان الشرع والعلم والمصلحة، وليس بميزان هل هو فعل أو رد فعل؟ وهل هو مسايرة للآخر، أو هو من خصوصياتنا ومن تاريخنا؟

ميدان: ما المحددات المصلحية التي يجب أن تلتزم بها الدولة في الإسلام؟ هل هي مصالح سكّانها فقط، أم هنالك ما يمكن تسميته بمصالح الأمة المسلمة؟ وما محددات مصالح الأمة؟

الريسوني: لا تُـعقِّدوا الأمور، ولا تجعلوا البدهيات الواضحة مبهمات غامضة. وقديما قالوا: المعروف لا يُـعَـرَّف. فمن لا يعرف ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين، ومن لا يعرف الصلاح من الفساد والعدل من الظلم؟ والحقيقة أن كل من يخدم قُطره وشعبه وينهض به، دينيا ودنيويا، فهو خادم للإسلام والمسلمين ونهضتهم. وكل من يفسد دولته ويخرب بلده ويظلم شعبه فهو معتدٍ على المسلمين جميعا، وهو يخدم تخلف المسلمين وبؤسهم. نحن في هذه المرحلة في أمسِّ الحاجة أولا إلى نماذج قُـطْرية ناجحة ورائدة وملهِمة. نِعْمَ من خدموا بلدهم ونهضوا به، ثم مدوا يد العون والدعم إلى خارج قُطرهم، آووا ونصروا، فهذا هو الواجب حسب استطاعتهم.

ميدان: في العلاقات الدولية، هناك ما يُسمّى بمصالح الغرب، مصالح الدولة، مصالح الإقليم، وكل دولة تنطلق من منظومة مصالح في سياساتها، فإذا كانت سياسات الدولة تعمل ضد مصالح المسلمين، فهل يمكن توصيفها بالإسلامية؟

الريسوني: الدولة توصف بالإسلامية إذا كانت أسسها ومرجعيتها إسلامية، وبناء عليه يكون مجمل سياساتها موافقا ومحققا لمقاصد الشريعة ومصالح المسلمين، بغض النظر عن أي خطأ أو تقصير أو اختلال حقيقي أو مفترض. أما أن تصبح مرجعيتها وسياساتها مخالفة للإسلام، ويكون الظلم والفساد والاستبداد هي سماتها البارزة، فهذه قطعا ليست دولة إسلامية، ولو رفعت المصاحف ولوحت بلا إلـه إلا الله.

الاتحاد العالمي.. الفرص والتحديات
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين (مواقع التواصل)

  

ميدان: هل تظن أن الهجوم الأخير عليكم وعلى الاتحاد ليس مجرد خلاف في الرأي، وأن ثمة تربصا وانتقاما يستهدف شخصكم  أو الاتحاد؟

الريسوني: على كل حال الهجوم عليّ وعلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يخدمنا ويعزز مكانتنا ويدفع الناس إلى التعرف علينا، فلا حرمنا الله الناقدين و الناقمين.

ميدان: الاتحاد من حيث الناحية السياسية والفكرية محسوب على المحور القطري التركي، فما دقة هذا الوصف، وهل يعد سببا في عُزلة الاتحاد إقليميا ودوليا؟

الريسوني: أولا، الاتحاد لا يعاني من أي عزلة. القارات كلها مفتوحة أمامنا وطلبات التعاون والزيارة فوق طاقتنا.. فقط لنا أعضاء للاتحاد معتقلون أو ممنوعون من السفر فيما يسمى بدول الحصار. ونحن نقدر كل موقف إيجابي ونرحب بكل تعامل حسن مع الاتحاد، من أي دولة ومن أي جهة، وآخرها نيوزيلندا التي حظي فيها وفد الاتحاد بكل احترام وتقدير وإحسان. ونحن لو ذهبنا إلى مكة أو المدينة المنورة، لكان مصيرنا كما تعلمون! فنحن نشكر كل الدول الإسلامية والعربية والغربية التي تتعامل معنا تعاملا قانونيا ومتحضرا. ولكن لسنا طرفا في أي محور، وانتماؤنا الوحيد هو الإسلام والأمة الإسلامية.

ميدان: يرى البعض أن سياسات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مرهونة بقطر وتركيا، فهل يمكن أن نرى الاتحاد ينتقد سياسات البلدان المستضيفة له إن وقعت فيما يخالف ميثاقه؟!

الريسوني: نحن لسنا متخصصين في توزيع بيانات الانتقاد والإدانة على الدول، والعالم فيه نحو 200 دولة، والعالم الإسلامي فيه 56 دولة، ونحن لا ننتقد سوى دولتين أو ثلاث، من أصل 196 دولة في العالم، ومن أصل 56 دولة إسلامية، وهي التي تعتقل علماءها وخيارها وتُعدم شبابها.

      

  

ميدان: لكنكم أيضا كيان متداخل في السياسة، فهل يقتصر دور الاتحاد على الدفاع عن العلماء، أم هناك منطلقات سياسية محددة يسعى الاتحاد لترسيخها والدفاع عنها؟

الريسوني: السياسة حتى لو أردنا الانفكاك عنها فهي لن تنفك عنا.. ولكننا حريصون على تناول السياسة بالعلم والحق والعدل والإحسان. فالسياسة بهذا الشكل وبهذه المواصفات جزء لا يتجزأ من الإسلام. ولذلك لن نفترق معها ولن تفترق معنا.

ميدان: يبدو التوسع في فكرة المقاصد والاستشهاد بها أنه طريق خلفي للعلمنة الدينية، وهو ما يمارسه بعض “الحداثيين” بالفعل، فهل تتفقون؟!

الريسوني: كل واحد مسؤول عن أقواله وأفعاله، وليس عن أقوال غيره وأفعالهم. وأنا أتحدث عن مقاصد الكتاب والسنة، ومقاصد الصحابة، ومقاصد الجويني والغزالي والجصاص وابن عبد السلام والشاطبي وشاه ولي الله الدهلوي وابن عاشور وعلال الفاسي، والقرضاوي، ومن على شاكلتهم. فهذه هي مقاصدنا جميعا، أما شيء آخر فلا علاقة لي به، ويحاسب عليه أصحابه.

ميدان: هناك بعض التصريحات التي أدليتَ بها وقد أثارت لغطا واسعا، كقولك بأنك ارتحت لعزل مرسي، فما سياق الراحة هنا في ظل انقلاب عسكري قضى على الثورة المصرية؟

الريسوني: أقول لك ولكل من أشكل عليه هذا الموضوع: ما يقع في هذه الحياة: منه ما هو تكويني قدري، ومنه ما هو تكليفي تشريعي. في سنة 1978 توفيت لي بنت صغيرة هي البكر، وكانت آنذاك هي وحيدة والديها.. فحزنت وبكيت، وأقمت الجنازة وتلقيت التعازي، كما هو العرف والشرع.. ولكني فيما بعد فرحت لوفاتها قدريا وتكوينيا، لكونها استراحت من عناء الدنيا وبلاياها، وضمنت الجنة، وربما تنفع والديها يوم القيامة.

لقد أحدثت الثورة المضادة دمارا كبيرا في الأمة الإسلامية. على سبيل المثال موجة الردة والإلحاد والهروب التي تشهدها السعودية مؤخرا

ميدان: بعد الربيع العربي، انفصل الكثير من الشباب عن التنظيمات الإسلامية، وبدأت فكرة الجماعات “الشمولية” بالتهاوي، فما ضرر ذلك على الاتحاد، وما الوسائل التي تتخذونها لمعالجة شرخ الثقة بين الشباب والعلماء؟! 

الريسوني: الحقيقة هي أنه بعد الربيع العربي أقبل الشباب وغير الشباب على الانخراط والعمل بحماس في مختلف الهيئات والمجالات، أما ما تشير إليه فلم يقع بعد الربيع العربي، وإنما وقع بعد الانقضاض والانقلاب الدموي على الربيع العربي، وبعد المجازر التي شهدتها القاهرة ودمشق وصنعاء وغيرها، وبعد رياح التصحر والجفاف السياسي والحقوقي التي اجتاحت عددا من الدول العربية. نعم لقد أحدثت الثورة المضادة دمارا كبيرا في الأمة الإسلامية، وخاصة فيما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط. وخذ على سبيل المثال موجة الردة والإلحاد والهروب التي تشهدها السعودية مؤخرا.. فالانسحاب أو الانفصال ليس خاصا بالتنظيمات الإسلامية، بل هناك انسلاخ من الإسلام، وانسلاخ من العروبة، وهروب من الأوطان. وهذا بدون شك يلقي أعباء أثقل على الاتحاد وعلى غيره من المؤسسات الإسلامية. ولكننا جازمون بأن أمتنا ودود ولود.

ميدان: يرى متابعون بأن الاتحاد أدى مهمته وفق سياق نشأته، إلا أن هذه الظروف لم تعد متوفرة حاليا في ظل الانقسام العربي والإسلامي، وبالتالي فإن الاتحاد فقد حاضنته وظروفه التي ساهمت في تشكله، فما رأيك بهذا القول، وهل أصبحنا بحاجة إلى كيان جديد أكثر تمثيلا للتباينات التي يعج بها القُطر العربي والإسلامي؟

الريسوني: على كل حال نحن مستمرون، وفي تقدم وتوسع وارتقاء على جميع الأصعدة. وطلبات العضوية -على سبيل المثال- تتقاطر علينا من كل أنحاء العالم، ولا نكاد نجد حتى القدرة لدراستها والبت فيها وإجابة أصحابها.

ميدان: ثمّة كيانات صوفية تم إنشاؤها مثل “مجلس حكماء المسلمين” و”منتدى تعزيز السلم” في محاولات لإنشاء كيانات تمثل وجها جديدا للإسلام، فهل تنجح هذه الكيانات الجديدة في مسعاها؟

الريسوني: أولا هذه كيانات سياسية وليست صوفية، وثانيا أنا شخصيا ليس لي أي اطلاع أو علم بمدى نجاحها أو فشلها.

ميدان: خطوة انتقال الاتحاد من المشرق الإسلامي إلى رأس من رؤوس الحركة الإسلامية في المغرب، هل يعني ذلك بداية لانتقال ثقل الحركة الإسلامية من المشرق إلى المغرب كذلك، بعدما كانت محتكرة لعقود طويلة في المشرق الإسلامي؟!

الريسوني: رئاسة الاتحاد هي مسألة ذات طابع شخصي، وليست مرتبطة بقضية مشرق ومغرب، وليست تناوبا قُطريا أو إقليميا.. ولعلنا في أقرب فرصة ممكنة سنرى إن شاء الله عالما مشرقيا يترأس الاتحاد، عربيا كان أو غير عربي. فكلما وجدنا عالما مناسبا سنمسك بتلابيبه، من غير نظر في جواز سفره.

حركة التوحيد والإصلاح  (مواقع التواصل)

    

ميدان: وهل سيكون لحركة التوحيد والإصلاح دور في دفع الاتحاد للأمام أو التنسيق معه في الفترة المقبلة؟!

الريسوني: لا أبدا، حركة التوحيد والإصلاح لا محل لها من الإعراب في هذا السياق. لا هي ضمير مستتر، ولا هي ضمير متصل أو منفصل.

ميدان: ما رأيك بالتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي؟

الريسوني: المطبعون مع المحتلين المجرمين المعتدين يصبحون شركاء لهم على قدر تطبيعهم وتطبيلهم كمًّا وكيفا. فالتطبيع مع الكيان الصهيوني دعم للعدوان والاحتلال.

ميدان: يزعم البعض، بحسب مقال قديم لكم؛ أنكم دعوتم لسلام دائم مع الكيان الصهيوني، فهل هذا صحيح؟!

الريسوني: المقال المشار إليه فيه ست صفحات، ونحو 1500 كلمة، منتقاة ومصفاة، بحيث لو نقصت منه كلمة أو زيدت فيه كلمة أو غيرت فيه كلمة لفسد المعنى المراد، ولأصبح غيرَ ما قلته وما قصدته. فمن كان يهمه الأمر فليقرأه كاملا، فهو منشور بعنوان: “قضية فلسطين اليوم.. رؤية فقهية سياسية“.

ميدان: ما أهم الملفات التي سيعمل الاتحاد على تعزيز حضوره فيها في الفترة القادمة، وكيف ينظر لدوره المنوط به في ظل المتغيرات الإقليمية التي يعمل فيها؟!

الريسوني: نشاطات الاتحاد مستمرة ويعلن عنها في حينها.. وفي الاجتماع الأخير لمجلس الأمناء، تم اعتماد عدد كبير من الخطوات التنظيمية والقانونية، ومن المشاريع العلمية التكوينية. وقد انطلق السادة والسيدات أعضاء المجلس في تحضيراتهم للقيام بها، من خلال اللجان والفروع والمؤسسات العليا للاتحاد. ونحن نعلن عن كل شيء في أوانه. والله المستعان لا حول ولا قوة لنا إلا به سبحانه.

  

  

ميدان: ما مدى تأثر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برحيل الشيخ يوسف القرضاوي، وهل يمكن ملء الفراغ الذي سيتركه؟!

الريسوني: شيخنا القرضاوي لم يرحل، بارك الله في عمره وعلمه وعطائه. ونحن نزوره ونستشيره ونستمع إليه، ونقدم له كل البيانات اللازمة عن الاتحاد.

ميدان: رسالة شخصية توجهونها لمتابعي الاتحاد ومن يتطلعون إلى المزيد من إسهاماته.

الريسوني: الاتحاد محتاج إلى من يساعده ويقويه، بأي شكل من الأشكال. فالاتحاد إمكاناته محدودة، ولذلك فنحن نتصرف في حدود قدراتنا والفرص المتاحة لنا. وفوق طاقتك لا تلام.

——————————————————————–

هوامش:

[أ] يُلاحظ أن أُطروحة وائل حلاق في كتاب الدولة المستحيلة مختلفة عن نظرة د. الريسوني للدولة. للمزيد حول تصورات الإسلاميين للخلافة: من داعش للاتحاد الأوروبي.. هكذا تخيل الإسلاميون أشكال الخلافة. وللمزيد حول طوباوية مفاهيم الخلافة لدى البعض يمكن مراجعة: “كانوا همجا”.. هل تشوه “الخلافة” نظرة الإسلاميين للمستقبل؟

[ب] يعني الدولة الإسلامية في العراق والشام والتي عُرفت إعلاميا بداعش.

(المصدر: ميدان الجزيرة)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى