صفقة القرن لن تمُر

صفقة القرن لن تمُر

 

بقلم أحمد قنيطة

بالأمس القريب، وبعد توليه زمام القيادة في الولايات المتحدة الأمريكية، خرج علينا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لينقلب على السياسات الأمريكية المعهودة تجاه القضية الفلسطينية منذ عقود، معلناً للعالم عن عزم إدارته تصفية القضية الفلسطينية وفق صفقة سياسية مُلزمة لجميع الأطراف وغير قابلة للنقاش أو التفاوض، أُطلق عليها مسمى “صفقة القرن” أو “صفقة العصر” ، ضارباً بعرض الحائط كل المساعي الأممية والقرارات الدولية والمفاوضات العبثية التي دارت على مدار تاريخ الصراع بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الصهيوني، ايذاناً بدخول هذا العالم المتآمر مرحلة جديدة من مراحل الصراع، تبدو فيها المواقف أكثر وضوحاً والتحالفات أشد تجذراً، تَكشفُ فيها الحكومات العربية الوظيفية عن وجهها القبيح بكل وقاحة باصطفافها مع الغرب الظالم ضد مصالح الأمة وحقوقها.

ما يزيد عن ستةٍ وعشرين عاماً من وهم المفاوضات التي خاضتها حركة فتح و”السلطة الفلسطينية” مع الاحتلال الصهيوني لم يُحققوا خلالها إلا “صفر كبير”، ذاق الشعب الفلسطيني مرارتها وويلاتها على مدى سنوات تلك المفاوضات العبثية، فلقد باتت “السلطة الفلسطينية” مجرد أداة لتطبيق بنود المعاهدات الدولية والاتفاقيات الثنائية بينها وبين العدو الصهيوني بحذافيرها، وما يترتب عليها من التزامات أمنية تحتّم على الأجهزة الأمنية “اللاوطنية” ملاحقة المقاومين ورصد تحركاتهم، بل وتقديم المعلومات للعدو عن أماكن تواجدهم من أجل اعتقالهم أو اغتيالهم، ناهيك عن الكوارث الاقتصادية المترتبة على تلك الاتفاقيات التي جعلت الاقتصاد الفلسطيني برمته تحت تصرف الاحتلال، ما أثق كاهل شعبنا وزاد من فقره ومعاناته، وفي المقابل تنصّل العدو من معظم التزاماته في تلك الاتفاقيات، ليحقق نجاحات ضخمة على طريق سعيه لتصفية القضية الفلسطينية.

جاءت صفقة القرن لتحل – من وجهة النظر الأمريكية- المشاكل المستعصية في المفاوضات ” الفلسطينية – الصهيونية ” التي تسمى بقضايا الحل النهائي (القدس, العودة، الدولة) ولكن بانحياز واضح وتام للعدو الصهيوني، بعد أن أدارت الإدارة الأمريكية الجديدة ظهرها للسلطة التي أدّت دورها على أكمل وجه في وأد ثورة الشعب الفلسطيني وانتفاضته المجيدة بوجه المحتل الغاصب، أملاً في أن يعطيها “المجتمع الدولي” دويلة منزوعة السلاح كما السيادة على حدود عام 1967م، لكنها كانت تلهث خلف السراب، متجاوزةً شعبها الثائر وفصائله المجاهدة التي لطالما نصحت قيادة فتح والسلطة بالعودة إلى طريق الجهاد والكفاح المسلح، كسبيل وحيد لتحقيق حلم التحرير والعودة والدولة بالمقاومة والتضحيات لا بالمقامرة والمفاوضات.

نجح العدو الصهيوني وبدعم عالمي وتواطؤ عربي رسمي في تطبيق معظم بنود صفقة القرن –كما يرى باحثون- ولم يبقى سوى بعض القضايا الإجرائية الشكلية، يتبعها الإعلان الرسمي عن انتهاء القضية الفلسطينية، في صورة أشبه بمسرحية هزلية أو كرنفال احتفالي يقيمه أباطرة الظلم والإرهاب على جراحات وعذابات شعبنا الفلسطيني الصابر، يليه اعتبار دولة الاحتلال “رسمياً” كياناً طبيعياً في المنطقة، بعد أن كان العدو الأول والأبدي للعرب والمسلمين، ونرى اليوم بأمِّ أعيننا سعار التطبيع العلني والاستجداء من قبل الحكومات العربية والخليجية للكيان الصهيوني، بل واعتباره شريكاً أساسياً في الحرب على حركات المقاومة والشعوب الثائرة في المنطقة من جهة، والتحالف مع الصهاينة ضد المشروع الإيراني التوسّعي من جهة أخرى –بزعمهم- في وقت تُقيم تلك الحكومات بعينها علاقات اقتصادية ضخمة مع إيران التي تسيطر على 4 عواصم عربية وتحتل ثلاث جزر إماراتية، وصدق القائل حين قال في أمثالهم: “كالمُستَجيرِ مِن الرَّمضاءِ بالنارِ”!

نقل أمريكا سفارتها في دولة الاحتلال من “تل أبيب” للقدس المحتلة، وسلوك بعض الدول الغربية نفس المسار الأمريكي في ذلك، وإعلان القدس عاصمةً لدولة الاحتلال، ثم الاعتراف الأمريكي بأحقية العدو الصهيوني في السيطرة على الجولان السوري المحتل مؤخراً، وما سيتبعه من إعلان صهيوني بضم الضفة الغربية رسمياً لسيطرة دولة الاحتلال كما يَتوقع مُراقبون، مع استمرار فصل غزة عن الضفة سياسياً واقتصادياً في ظل الحصار المتواصل على القطاع، وعمليات التهويد المتسارعة لمدينة القدس، والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي من قبل المغتصبين الصهاينة، إيذاناً بإعلان “يهودية الدولة” لقطع الطريق على اللاجئين الفلسطينيين المُطالبين بحق العودة، وإيجاد حلول بديلة بتوطينهم في الأردن أو في دول الشتات، كلها ملامح واضحة لصفقة القرن المتوقع الإعلان عنها في الأسابيع القادمة.

شعبنا الفلسطيني وشعوبنا العربية والإسلامية وقوى الجهاد والمقاومة في الأمة، مُطالبين بمقاومة هذه الصفقة الآثمة وعدم الاعتراف بها ورفض كل ما يترتب عليها من آثار ونتائج، بعيداً عن الانزلاق نحو مستنقع الخضوع والخنوع والرضى بالأمر الواقع، أو اليأس من حالة التآمر والخذلان العربي والإسلامي لقضية فلسطين وقضايا الأمة في مختلف أقطارها، فالشعوب الثائرة المجاهدة التي تدافع عن حقوقها ومقدساتها، وفصائل المقاومة التي ما زالت تمتلك قرارها وسلاحها، قادرةٌ بعون الله على إدامة جذوة الصراع وعنفوان المواجهة مع العدو الصهيوني وأدواته في المنطقة، برغم كل المؤامرات الساعية لمسخ وعينا وتدجين ثقافتنا وطمس مبادئنا، أملاً في أن يقودوا شعوبنا -بالحديد والنار والقمع والإرهاب- نحو مزيدٍ من الإذلال والعبودية والتخلّف والرجعية، بعد أن ذاقت الأمة طعم الحرية والكرامة واستعذبت طريق المجد والعزة.

غزة الأحرار .. ضفة الثوار.. إدلب العز.. أفغانستان النصر.. ليبيا الثورة.. جزائر الشهداء.. سودان الإباء.. وغيرها من مناطق الأمة الثائرة، هي أرضيات خصبة ومُنطلقاتٌ كبرى، وبؤرٌ للنّورِ تشقُّ طريقها في عمق الظُلمة، نحو استعادة الأمة لحريتها وكرامتها، وعزها وسؤددها ومجدها التليد، بعد تحرير الشعوب المسلمة من الطغاة والمستبدين، الذين سرقوا خيرات البلاد وأفقروا العباد، وحاربوا الفضيلة وأشاعوا الرذيلة، حتى تأخذ الأمة دورها في تحرير فلسطين وطرد اليهود الغاصبين، إيذاناً لبعثٍ جديد لأمة الإسلام نحو قيادة العالم وسيادته، بكتابٍ يهدي قلوب الحائرين وجهادٍ يقصم ظهور المجرمين، حتى يعمّ هذه الأرضُ الأمنَ والإيمان، والسلامة والإسلام بعزّ عزيزٍ أو ذلّ ذليل.

 ” وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون”

(المصدر: مجلة “كلمة حق”)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى