تقارير وإضاءات

تجارب تنموية إسلامية ناجحة .. اندونيسيا

خرجت اندونيسيا أكبر دول العالم الإسلامي في نهضة اقتصادية علمية شاملة غيرت الوجه الحضاري لهذه الدولة، وغيرت نمط عيش السكان وحفزت الإنسان الإندنوسي على العلم والابداع والإنتاج، وهكذا زاحمت المصانع والجامعات والمراكز العلمية المساجد في صورة نادرة من صور نهوض الإنسان المسلم.  بسواعد أبناء هذه الدولة المسلمة تبوأت اندونيسيا خلال السنوات الخمس الماضية مراكز متقدمة في الاقتصاد الآسيوي حيث احتلت المركز الرابع آسيويا بعد كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، و المركز السادس عشر على المستوى العالمي.

رغم التحديات الكبيرة التى واجهتها  إندونيسيا خلال فترة ما بعد الاستعمار وإرثه الثقيل إضافة إلى تحديات النمو الديمغرافي المتسارع وتشعب الثقافات واللغات في هذا البلد المسلم إلا أن إرادة أبناء هذا البلد وعزيمتهم أبت إلا أن تنتصر على هذه التحديات وتذلل هذه العقبات، وتخرج إندونيسيا إلى آفاق العلم والتكنولوجيا وتجعل منها دولة إسلامية تعد في مصاف الدول ذات الاقتصاد المتطور، حيث تتربع على المركز السادس عشر عالميا لتكون بذلك ثالث دولة إسلامية عضو في مجموعة العشرين G20 . فماذا عن تجربة اندونيسيا أكبر دول العالم الإسلامي؟

إصلاحات الرئيس سوهارتو (1966 – 1973)

ركزت إصلاحات الرئيس سوهارتو على الجانب الاقتصادي، حيث عمل على إعادة اندونيسيا إلى الاقتصاد العالمي من خلال انضمامها إلى الهيئات المالية الدولية: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كانت خطط سوهارتو الجديدة تحتاج إلى مساعدات مالية وتقنية من الدول الغربية واليابان. كانت الخطوة الأهم والأبرز في طريق الإصلاحات الاقتصادية هي التقليل من آثار التضخم على الاقتصاد الإندونيسي حيث وصل هذا التضخم مرحلة عدم التحكم (Hyperinflation)، من أجل تحقيق هذا الهدف عين سوهارتو مجموعة من التكنوقراط أغلبهم من خريجي الجامعات الأمريكية وكلفهم بإعداد سياسات تساعد على تعافي الإقتصاد وتسهم في انتعاشه.

تم تبني سياسة السوق المفتوحة مع تعديلات جديدة طالت قوانين الاستثمار الخارجية Law (1967) ثم شملت هذه التعديلات لاحقا قانون الاستثمارات الداخلية Law (1968). وشكلت هذه القوانين الجديدة تحفيزا قويا للمستثمرين الأجانب للاستثمار في إندنوسيا فتهافت اليابانيون والغربيون على الاستثمار في قطاعات الدولة المختلفة وكانت النتيجة إيجابية جدا على الإقتصاد اندونيسي حيث حقق Double-digit economic growth وهو معدل نمو يفوق 9% ، شكلت هذه الفترة إرهاصات العصر الذهبي .

العصر الذهبي للاقتصاد الاندنوسي (1980 – 1996)

مع بداية الثمانينيات بدأت اندونيسيا تشهد تحولات جذرية من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد التصنيع، وقد كان لهذا التحول تأثير كبير على حياة الناس ومستوى معيشتهم وعلى البنية التحتية وأنفقت الحكومة أموالا كبيرة على قطاع التصنيع حيث حولت الكثير من القرى إلى مدن صناعية ضخمة.  كما تم تبني العديد من الخطط الإصلاحية شملت  سياسات حماية العملة  لتحسين القوة التنافسية  للمنتجات الإندونيسية، إعادة تنظيم القطاع المالي بشكل يسمح بمساهمته في التغييرات الاقتصادية الجديدة، تنظيم وتهيئة القوانين لصالح القروض الخارجية في قطاع التصنيع،  وهكذا حقق الاقتصاد الاندونيسي معدل نمو 7% من 1989 وحتى 1997. بعدها صارت اندونيسيا وجهة للاستثمارت القادمة من أوربا والخليج العربي واليابان وشملت هذه الاستثمارات قطاعات البنية التحتية، قطاع التصنيع، قطاع الزراعة والسياحة. حققت اندونيسيا نهضة اقتصادية جعلتها من أوائل الدول الآسيوية في الاقتصاد لكن التكلفة كانت باهظة نتيجة انتشار الفساد وضعف البنية القضائية والتنظيمية في نظام سوهارتو العسكري فكانت النتيجة أزمة ديون خانقة تسببت في تأخير البلد عن تحقيق الأهداف المنشودة ودخلت البلاد ما عرف بـ”إنحراف مسار التنمية”.

الاقتصاد بعد أزمة  1997

بعد الأزمة المالية الخانقة التى تسببت في انهيار اقتصادي واضطراب سياسي عنيف أسقط نظام سوهارتو، بدأت اندونيسيا لملمة جراحها وإستعادة عافيتها خاصة بعدما نجحت في تحقيق تحول سياسي كبير تجاه تجذير الديمقراطية وانتخاب نظام سياسي أخذ على عاتقه إعادة اندونيسيا إلى طريق البناء والنماء. بدأ الاقتصاد الاندونيسي ينتعش تدريجيا حيث حقق معدل نمو 5.1% سنة 2004 ثم 5.6% سنة 2005 ووصل معدل البطالة 9.7% سنة 2007، ورغم تباطؤ نمو الاقتصاد العالمى إلا أن السياسات الجديدة للحكومة مكنتها من تحقيق معدل نمو 6.3% سنة 2007، انعكس هذا التحسن إيجابيا حيث انخفضت نسبة البطالة إلى 8.46% سنة 2008.

في يونيو 2010 تمت تسجيل أكثر من 341 شركة وطنية ودولية في بورصة جاكارت بمجموع استثمارات بلغت 269 مليار دولار، رغم أن ثلثي هذه الاستثمارات من شركات أجنبية إلا أن تأثيرها كان إيجابيا، خاصة مع سياسات الحكومة الجديدة في مجال الشفافية وتطوير السياسات الاستثمارية.

في 2011 استعادت اندونيسيا تصنيفها الاستثماري من الهيئات الدولية Fitch Ratings و Moody’s Investors التى تنبأت بزيادة في معدل نمو الإقتصاد الإندونيسي بـ 6% وتوقعات باستقرار العملة.

مواصلة الطموح واستهداف الريادة: خطة (MP3EI)

تعتبر  MP3EI خطة جديدة  استحدثتها الحكومة الاندونيسية تستهدف توسيع وتطوير الاقتصاد الوطني، من أهداف هذه الخطة تحقيق معدل النمو 6.4 – 7.5 % خلال الفترة 2011 – 2014، وزيادة هذه النسبة بـ3% خلال 2025.  ستركز الخطة على زيادة فاعلية قطاع التنصيع ودعمه بمزيد من الاستثمارات، ودعم سياسات التسويق الوطنية لتحسين القوة التنافسية وترقيتها بأساليب جديدة، وكذا دعم الابتكارات التكنولوجية لتسهم في دفع عجلة النمو وتطوير الصناعات بمزيد من الطموح والعمل الجاد للوصول لأهداف خطة  MP3EI والتي ستجعل الاقتصاد الاندونيسي يتربع على المركز السابع ضمن اقتصادات العالم.

تجربة اسلامية تستدعى التأمل والدراسة وتسهم فى  توعية شعوب العالم الإسلامي بضرورة العمل الجاد في خلق وعي جاد للخروج من حالة الضعف والوهن التى تعيشها بلداننا إلى  آفاق الإنتاج و الابتكار، فالعقل المسلم عقل يبدع ويبتكر حين يجد الأرضية الملائمة لذلك.

(إسلام أونلاين)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى