تقارير وإضاءات

من النازية إلى الإسلام.. كيف نظر “مراد هوفمان” للحج؟

من النازية إلى الإسلام.. كيف نظر “مراد هوفمان” للحج؟

إعداد أنس غنايم

دائما ما تمثل شعيرة الحج، وما تحويه من معانٍ جليلة رسخت في الأذهان عبر مرور الأيام، موئلا لجموع المسلمين من شتى أنحاء العالم، ففي اللحظة التي يجيء ميعاده السنويّ، نرى الآلاف المؤلفة يفدون على البيت الحرام أفواجا، يحدوهم الشوق واللهفة، يبذلون الغالي والنفيس، عن طيب خاطر وسماحة نفس، في سبيل الوصول إلى بيت الله الحرام ومشاهدة منازل أبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام- وأسرته، ومطالعة آثار ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم- وبدء دعوته.

لذلك، تعد شعيرة الحج في التصور الإسلامي ركنا أصيلا من أركانه، وعمودا من أعمدته التي بُني عليه معماره الروحي والاجتماعي والسياسيّ. وإلى هذا المعنى أشار علي عزت بيغوفيتش في حديثه عن الركن الخامس من أركان الإسلام، حيث يذهب إلى أنه لا يمكن فهمه إلا في إطار “نموذج مركب” على حد قول المسيري، فهو “شعيرة دينية، وتجربة روحية، ولكنه أيضا تجمّع سياسي، ومعرض تجاري ومؤتمرعام للأمة”. (1)

وعطفا على المعنى الكليّ الذي يتقاطع فيه الدينيّ والروحانيّ، بالمعنى السياسيّ والاجتماعيّ الذي أشار إليه بيغوفيتش آنفا؛ تنفرد هذه الشعيرة أو العبادة الإسلاميّة بكونها جامعة لكل العبادات الإسلاميّة، إذ إنّ الحج أشمل العبادات وأعمقها، ويوضح هذا المعنى الفقيه المقاصدي أحمد الريسوني فيقول:

“لقد أكرمنا الله تعالى وشرفنا بعبادات متعددة ومتنوعة، حتى يَجِدَ كل الناس -على اختلاف ظروفهم وقدراتهم- فرصتهم ونصيبهم ومجال قوتهم منها. وأيضا حتى يجد كل مكلف أنواعا من العبادات تتسع لكل ما فيه وما لديه من جسم وعقل وروح ومال ووقت. فالصلاة عبادة لروحه وعقله، والصيام عبادة أخرى لبدنه ولنفسه، والزكاة عبادة لماله ونفسه، والجهاد عبادة لبدنه، أو لماله، والذكر عبادة لقلبه وعقله ولسانه.. ولكن الحج يجمع كل هذا ويزيد عليه. فالحاج يعطي غير قليل من وقته في رحلته ومناسكه، وهو يضحي بماله الذي ينفقه وبماله الذي يتركه أو يفوته كسبه. والحاج يجاهد ويعاني ببدنه وكافة حواسه. وهو ينهمك في حجه بقلبه وروحه، ويلبي ويذكر ويدعو بقلبه ولسانه، ويمشي بقدميه ويرمي بيديه”. (2)

الحج في أدب الرحلات

يُمثّل أدب الرحلة نوعا من الكتابة الأدبية، وفنًّا من فنونها البديعة الزاخرة، وذلك لما يحويه من إمتاع ومؤانسة، وطرافة وجمال، يفصح عن طبائع الأقوام، وأحوال الإنسان، وجمال الطبيعة، وغير ذلك من فوائد ومعانٍ يندر اجتماعها في موضع آخر؛ ولذلك وجد أدب الرحلة إقبالا كبيرا من قِبل الباحثين على اختلاف تخصصاتهم، ومردُّ ذلك عائد إلى تنوع المظاهر التي يُعنى أدب الرحلة برصدها وتدوينها بداية من الشؤون الدينية، والأوضاع الاجتماعية، والصراعات السياسية، والأزمات الاقتصادية، والأحوال العلمية.

ويرى الدكتور أحمد العساف أنّه “مهما تنوعت الرّحلات واختلفت؛ فإنَّ أعظم رحلة يقوم بها إنسان هي تلك الرّحلة التي تسبق مشاعرُه فيها جوارحه، وترنو إليها روحه سابقة جسده، ويهيم بها فؤاده قبل الشروع فيها، ولا تجتمع هذه الصفات إلا لقاصدي البيت العتيق للحجّ والعمرة؛ ثم اهتبال فرصة القرب لزيارة المدينة النبوية والصلاة في مسجدها، ويا لها من رحلة تستعذبها الأرواح، وتستروح النفوس عبيرها، وتظلُّ ذكراها الجميلة عالقة في ذهن منشئها زمنا طويلا”. (3)

شعيرة الحج.. الترياق المُجرّب

كانت تجربة الحج -وما زالت- ترياقا ناجعا لمن أتعبهم البحث عن ماء المعنى في صحراء العدم، إذ يحكي لنا التاريخ عن أعداد غفيرة من المفكرين والفلاسفة والأدباء الذين وجدوا في هذه الشعيرة معنى لامس شغاف قلوبهم، وحرّك جِمارها التي كادت أن تنطفئ، من محمد إقبال إلى مالكوم إكس، ومن محمد أسد إلى مراد هوفمان، ومن علي شريعتي إلى جلال آل أحمد. لم يتوقف هذا الأمر عند المسلمين فحسب، بل حظيت تلك البقاع باهتمام فائق من المستشرقين، حتى حرص بعضهم على زيارتها متنكّرين في أسماء وأزياء عربية، متظاهرين بالإسلام، ليقفوا بأنفسهم على الأسرار الكامنة في هذه البقعة المقفرة التي تلفّها الصحراء من كل مكان. (4)

من هذا المنطلق، تأتي أهميّة الوقوف عند شخصيّات فريدة من رجالات الفكر المسلم، الذين حملوا بجدارة لقب “الحاج”، ذلك اللقب الشرقيّ الذي لا يضاهيه لقب في الأمة العربية -كما يقول مراد هوفمان- (5). وممّن يصح “أن نلصق عليهم طابعا يحمل “صنع في مكة”، وذلك بفعل التجربة الإيمانيّة الخصبة التي عايشوها في الحجّ، تجربة لا نبالغ إنْ قلنا: إنّها أحدثت في حياتهم وسلوكهم تغييرا لم يُبقِ على شخوصهم السابقة إلّا اللحمَ والدم، فكأنّ الحج آلة عجيبة في “صنع البشر” يخرج منها الحاج كيوم ولدته أمه”. (6) واستجلاء لهذا الفعل التّغييريّ، نعرض لمحة عن حياتهم بصورة إجماليّة، مع الوقوف عند مرحلة الحج لاستخلاص الدروس والعِبر الماثلة فيها.

من هو مراد هوفمان؟

مراد هوفمان، دبلوماسي ومؤلف ألماني مسلم بارز، ولد سنة 1931 في ألمانيا، كان منتميا إلى شبيبة هتلر عندما كان في سن التاسعة من العمر، ولكن إلى جانب ذلك كان منتميا إلى عصبة محظورة مناهضة للنازية في ذات الوقت. (7)

بدأ بدراسة القانون بعد حصوله على شهادة البكالوريا في ميونخ، وحصل بعدها على الدكتوراه في القانون. عمل لسنوات طويلة ناقدا لفن الباليه في مجلات متخصصة. عمل منذ الخمسينيات في سفارة ألمانيا الاتحادية في الجزائر، وهذا جعله يشاهد عن قُرب الثورة الجزائرية التي يبدو أنها أثارت اهتمامه الشديد ودفعته للتأمل. (7) صاحب العديد من الكتب التي تتناول مستقبل الإسلام في إطار الحضارة الغربية وأوروبا. تحول هوفمان من الكاثوليكيّة إلى الإسلام عام 1980. (7)

مراد هوفمان  (الألمانية)

عمل خبيرا في مجال الدّفاع النّووي في وزارة الخارجية الألمانية، وكان إسلامه موضع جدل بسبب منصبه الرّفيع في الحكومة الألمانية. عمل مديرا لقسم المعلومات في حلف الناتو في بروكسل من عام 1983 حتى 1987، ثم سفيرا لألمانيا في الجزائر من 1987 حتى 1990، ثم سفيرا في المغرب من 1990 حتى 1994. (7)

تحوله إلى الإسلام

من خلال مطالعة عدد من مؤلفات هوفمان: مذكرات ألماني مسلم، الإسلام كبديل، الإسلام عام 2000، الإسلام في الألفية الثالثة، ديانة في صعود، خواء الذات والأدمغة المستعمرة، يتبيّن لنا أنّ وصوله إلى الإسلام لم يكن وليد موقف عاطفي، أو إشباعا لنقص روحي، رغم تحقق الأمرين معا، بل كان حصيلة تراكم طويل من المواقف، والخبرات، والتأمل، والدراسة المتأنية.

لقد قاده إلى هذا الدرب ثلاث تجارب أساسية؛ واحدة ذات طبيعة إنسانية، والثانية جمالية فنية، والثالثة فلسفية فكرية.(7) أما الطبيعة الإنسانية، فقد وجدها في الجزائر في أثناء عمله بالسفارة الألمانية هناك، وكانت وقتها تحت الاحتلال الفرنسي، وما رآه بعينه من أهوال وقتل ودماء، رأى إلى جانبه مواقف إنسانية للجزائريين أثارت انتباهه، وجعلته يبحث عن الباعث على هذه السلوكيات، رغم كل ما يحدث.

يقول مُحدّثا عن تجربة حفرت في وجدانه عظمة أخلاق الشعب الجزائري: “ولقد أدركت إنسانيتهم في أصدق صورها، حينما تعرضت زوجتي للإجهاض تحت تأثير “الأحداث” الجارية آنذاك. فلقد بدأت تنزف عند منتصف الليل، ولم يكن باستطاعة سيارة الإسعاف أن تحضر إلينا قبل الساعة السادسة صباحا؛ بسبب فرض حظر التجول، وبسبب شعار “القتل دون سابق إنذار” المرفوع آنذاك.

وبعد تأخير طال كثيرا، كنَّا في طريقنا متجهين إلى عيادة الدكتور، وكانت زوجتي تعتقد -في تلك الأثناء- أنها ستفقد وعيها؛ ولذا -وتحسبا للطوارئ- راحت تخبرني أن فصيلة دمها هي O ذات RH سالب، وكان السائق الجزائري يسمع حديثها، فعرض أن يتبرع لها ببعض من دمه الذي هو من نفس فصيلة دمها. ها هو ذا المسلم يتبرع بدمه، في أتون الحرب، لينقذ أجنبية على غير دينه”. (8)

أمّا التجربة الفنّية، فقد كان هوفمان في بدايته مولعا بالفن والجمال الساكن كالرسم والنحت والعمارة والخط، وسرعان ما لفت انتباهه جمال الفن التشكيلي الذي يرى أنه يزداد الإحساس به كلما زادت قدرته على الإيحاء بالحركة. (8) وتطور هذا الاهتمام إلى انبهاره الشديد بعروض رقص الباليه، حتى صار ناقدا مرموقا في الباليه في أعمدة صحف ألمانيا وبريطانيا وأميركا. وعمل محاضرا لمادتي تاريخ وعلم جمال الباليه بمعهد كولونيا للباليه للفترة 1971 و1973. (8)

وخلال وجوده في الجزائر وغيرها من البلاد الإسلامية بحكم عمله دبلوماسيا لفتت انتباهه الأعمال المعمارية الإسلامية كالمساجد والمدارس والأبنية القديمة، يقول في هذا الصدد هوفمان: “ألهمتني أعمال معمارية، مثل قصر الحمراء في غرناطة والمسجد الكبير في قرطبة بإسبانيا، اليقين بأنها إفراز حضارة راقية رفيعة”. (8)

لقد أُعجب هوفمان بالفن الإسلامي حتى فقد الإحساس تجاه الفنون الأخرى: “صار الفن الإسلامي وطنا جماليا لي، مثلما كان الباليه الكلاسيكي من قبل. وأصبحت أرى الأعمال الفنية للعصور الإغريقية والقوطية ولعصر النهضة مثيرة وعريقة ولكنها لا تنفذ إلى داخلي، ولا تحرك عواطفي ولا مشاعري. إنني أدرك قوة جاذبية هذا الدين الآن أفضل من ذي قبل”. (8)

لقد شكّلت فكرة إنكار الخطيئة الأصلية أهمية قصوى في تفكير هوفمان، لأنها، حسب رأيه، تفرغ التعاليم المسيحية من عدة عناصر جوهرية

وأمّا ما تعلّق بالتجربة الفلسفية، فقد بدأ هوفمان يسأل نفسه أسئلة دينية وفلسفية، ثم أخذ يبحث عن أجوبة لها. قادته تلك الأسئلة والأجوبة إلى اليقين بوجود الله تعالى، وتساءل عن ماهية الاتصال بين الله والإنسان. قاده ذلك السؤال إلى ضرورة الوحي والدين، وجاءته الإجابة من خلال قراءته المتكررة للآية الكريمة: “أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى” [النجم/38]. يشرح هوفمان تصوره عن هذه الآية، فيقول: “لا تعبر هذه الآية عن مبدأ أخلاقي فحسب، بل تتضمن مفهومين دينيين يمثلان أساسا وجوهرا لفكر ديني، هما: إنكارها لفكرة وراثة الخطيئة، وإلغاؤها إمكانية تدخل فرد بين الإنسان وربه، وتحمل الوزر عنه. وهذا المفهوم ينسف مكانة القساوسة ويحرمهم من نفوذهم، وينفي فكرة الوساطة بين الإنسان وربه”. (8)

لقد شكّلت فكرة إنكار الخطيئة الأصلية أهمية قصوى في تفكير هوفمان، لأنها، حسب رأيه، تفرغ التعاليم المسيحية من عدة عناصر جوهرية مثل: ضرورة الخلاص، والتجسيد، والثالوث، والموت على سبيل التضحية. عندها لم تعد المسيحية تبدو بنظره سوى أنها ترتكز على أساطير متنوعة ومتعددة. كما تحولت نظرته للإسلام لتتجذر أكثر حتى صار يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق والبديل الوحيد للمجتمعات الغربية. (9)

رحلة الحج.. مشاعر وشعائر

يروي مراد هوفمان تجربته الروحيّة في رحلة الحج في كتابه “رحلة إلى مكّة” والتي جاءت على صورة حكايات وصُور لذكرياته في الحج، وتأملاته في هذا الركن الذي حاول استنطاقه بصورة جمالية تُجلّي فلسفته وعمقه.

كتاب رحلة إلى مكة هوفمان (مواقع التواصل)

في البداية، يشير هوفمان إلى ضرورة “الإعداد الروحي” لهذه الرحلة، موضحا أن أهم شيء فيما يتعلق بذلك هو “دراسة آيات القرآن المتفرقات عن الحج في سورتي البقرة والحج، وكذا حفظ أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الكثيرة التي تتناول الحج”. (10) ويؤكد هوفمان أن مناسك الحج تترابط ظاهريا وباطنيا، ماديا وروحيا، وأن هذا الترابط ليس غريبا على المسلمين؛ فـ “العقيدة الإسلامية تؤلف بين الروح والمادة معا، ولذا فإن التوجه إلى الله في الإسلام لا ينحصر في الروح فقط، أو الجسد فقط؛ والمسلم في صلاته، وفي صومه، وفي نحره للأضحية، وفي حجه، ليس حاضرا بروحه وعقله وقلبه فقط، وإنما بلحمه ودمه أيضا؛ فهو إما أن يكون حاضرا كله وإما ألا يكون حاضرا البتة؛ وهذا ناتج عن التوحيد بوصفه مبدأ جامعا من منظور إسلامي”. (10)

ويرى هوفمان أن الصبر والأناة والانضباط من أهم القيم التي تغرسها مناسك الحج في نفس المؤمن، فيقول: “على الحاج أن يتحلى بالصبر، وأن يتفادى الدخول في خلاف أو حتى الشروع فيه؛ ناهيك عن أنه محرّم عليه أن يجرح شخصا أو شيئا أو أن يقتلع نباتا أو حتى يقتل بعوضة”. (10) يذكر أنه “عندما تحاول سيارات الأجرة الفارهة، التي تُقل بعض الحجاج، اختراق حشود المسلمين، لا تسمع كلمة غاضبة، ولا تصدر إشارة قبيحة، ولا أحد يضرب بيده على السيارة حقدا على أصحابها. ويبقى الانضباط والالتزام بهذا السلوك من جانب هذا الحشد من المسلمين مثيرا للدهشة، حتى بالنظر إلى التزام الحجاج بمسالمة الإنسان والحيوان والنبات. ولم أكن أعتقد قبل هذه التجربة أن التعاليم الدينية تستطيع أن تلغي بعض القوانين والقواعد الاجتماعية مدة من الزمن”. (10)

وبالنسبة لملابس الإحرام، يشير هوفمان إلى أن “أهم ما في الأمر هو أن الحجاج كافة يرتدون الثياب نفسها، يستوي في ذلك أغنياؤهم وفقراؤهم، أقوياؤهم وضعفاؤهم، أذكياؤهم وبسطاؤهم، كبيرهم وصغيرهم. ولما كانت ملابس الإحرام خالية من النقوش أو الخياطات، فلا يمكن لأحد أن يتميز عن آخر، ولو بمجرد الخياطة الأنظف. ولا ترمز ملابس الإحرام فقط إلى تساوي البشر أمام الله، وإنما ترمز أيضا إلى يوم القيامة؛ فلقد كنا نبدو -ونحن نقطع صالة المطار جيئة وذهابا- كمن قام من الموت وما زال يرتدي كفنه، بل إن كثيرا من الحجاج يحتفظون بملابس الإحرام لتكون أكفانا لهم”. (10)

يستخلص هوفمان معنى رمزيا من طريقة بناء الكعبة يتصل -أي هذا المعنى- بما تتميز به العقيدة الإسلامية من وضوح وبساطة، ومن خلو من التعقيد الذي يكتنف عقائد ومذاهب أخرى، فيقول: “الكعبة مكعب مجوف خال تماما، مبني بأحجار ضخمة. إنها صورة معمارية لكمال بيت الله في أبسط صورة، بعيدا عن التعقيد الذي يبدو في الفن القوطي وفن الروكوكو”. (10)

أما عن الحجر الأسود فيقول هوفمان: “هو الأثر الوحيد الباقي من مدة ما قبل الإسلام، وهو بإيجاز أقدم أجزاء الكعبة، ناهيك عن أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- شخصيا هو الذي وضعه حيث هو اليوم” (10)، في إشارة إلى توسط النبي لحل الخلاف الذي نشب بين قريش على من يعيد الحجر إلى مكانه. “ويأتي منسك السعي بين الصفا والمروة ليمثل -والكلام هنا لهوفمان- إحياء لذكرى سعي السيدة هاجر بين الجبلين بحثا عن ماء لطفلها الصغير إسماعيل في الوادي المقفر بمكة”. (10)

يضيف قائلا: “ولا تخلو شعائر الحج رغم ما تتطلبه من طاقة بدنية، وما تسببه من جهد ومشقة.. لا تخلو من لمحات جمالية تأسر النفس، وتُذهب عنها الألم والتعب، فضلا عما تمثله من زاد روحي وإيماني”. (10) وهنا يتوقف هوفمان أمام مشهد الطواف ليلاحظ أنه مشهد “شديد الجمال؛ فالكعبة تبدو مركزا ثابتا لا يتحرك لأسطوانة تدور ببطء وفي سكون تام في اتجاه مضاد لاتجاه عقارب الساعة. ولا يتغير هذا المشهد إلا عند الصلاة؛ حيث تصير الكعبة مركزا لدوائر عديدة متحدة المركز، تتكون من الآلاف من أجسام ناصعة البياض لأناس يرغبون في شيء واحد، ويبحثون عن شيء واحد، ويفعلون شيئا واحدا؛ رمزا لتسليم النفس إلى بارئها”. (10)

  

أما يوم عرفة الذي هو ركن الحج الأكبر، فيصف جماله ليقول: “كان يوما طويلا رائعا، كان يوما للتأمل والسلام، يوما للصلاة وللأحاديث القيمة. لم أكن منذ كنت أمارس التمارين الجيزويتية -فرقة دينية المسيحية- في سنوات الصبا قد عايشت مثل هذا التوجه الكامل إلى الله بكل هذا الصفاء الداخلي الباهر، فلا شيء يوم عرفة سوى مناجاته. وهنا يتجسد نداؤنا الدائم: لبيك اللهم لبيك. هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات؛ ملايين من الناس يتشحون بأكفان ويتركون في هذا اليوم كل شيء وراء ظهورهم، فوجودهم اليوم مكرس لله وحده، يتوقعون موتهم، يصلّون ويتضرعون في خشوع ويقين لم يحدث من قبل، ولن يحدث في الغالب من بعد”. (10)

ثم يمضي هوفمان في تسجيله لرحلته ليحدثنا عن رمي الجمرات وما يرمز إليه من مجاهدة الشيطان، فيقول: “وصلت حافلتنا في الساعة الثانية صباحا إلى منى، قريبا من موضع رمي الجمرات، ذلك الرمي الذي يرمز لرفض الإنسان القاطع للشر بداخله هو نفسه، وفي العالم أيضا. واقتربت من العمود حتى أضمن إصابته باستخدام إصبعين فقط، مع احتفاظي بمسافة تحميني من التعرض لوابل من حصى الحجاج من الخلف. إنه موقف صعب حقا؛ لأن بعضا من البسطاء ينتابهم شعور بأن في مقدورهم أن ينالوا من إبليس مرة واحدة في حياتهم، فيرموا رمزه بأحجار كبيرة وبأحذية ومظلات”. (10)

الحج.. مؤتمر عالميّ

يذكر هوفمان أن مشاعر دافقة بالترحيب والإحساس بالأمان التام غمرته وهو بين إخوانه من حجيج بيت الله، وأنه قد أدرك من ذلك معنى تحية “السلام عليكم” وقد بدت نابضة بالحياة، حيث تتجسد الكرامة، والجمال، والإيمان، والأممية، “لقد شعرنا بأننا مثل ذرات في وحدة كونية كبيرة، حيث تختفي في مكة الفوارق بين الأجناس؛ وخلال ركوعي في الصلاة فقط، أدركت من الأقدام المختلفة الألوان أن كل الأجناس والقارات ممثلة هنا”. (10)

   

ويشير هوفمان هنا إلى اختلاف طبيعة النظر الإسلاميّ والمسيحي إلى غيره من الأديان، فيقول: “إن شعائر الحج تربط المسلم بأبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام-، فهو الذي أمره الله برفع القواعد من البيت، وفي هذا ما يؤكد وحدة الرسالات السماوية، والترابط بين الأنبياء على اختلاف شرائعهم ومناهجهم” (10)، وذلك خلافا للمنظور الكنسيّ. وتوضيحا لهذه الفكرة يقول هوفمان: “إن الكنائس المسيحية لا تعترف بسهولة بالشعائر اليهودية والوثنية التي تتضمنها طقوسها، إلا أن الإسلام لا يجد حرجا في الاعتراف بالأصول القديمة لشعائره. فمحمد -صلى الله عليه وسلم- لم يدّع مطلقا بأنه قد جاء بدين جديد، وإنما كانت رسالته تجديد وإتمام دين الله الواحد، أي التسليم والخضوع، أي الإسلام منذ الأزل”. (10)

ونهاية رحلة هوفمان كانت الزيارة إلى المدينة التي فيها قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث إن من مألوف الحُجّاج بعد انتهاء المناسك الذهاب إلى المدينة المنورة، ويصف هوفمان مشاعره: “إن الوجود حيث عاش الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وحيث خطط، وعمل، ووعظ، وأحب، وعانى سكرات الموت، لأمر يستحوذ على الأنفس كلها. وفي هذا المكان، الذي يفوح منه عبق التاريخ، هزت التجربة -من الأعماق- بعض الحجاج الذين صاحبوني، فأجهشوا ببكاء حار”. (10)

_______________________________________________________________________________________

 

(المصدر: ميدان الجزيرة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق