تقارير وإضاءات

مؤشرات تصاعد الغضب الشعبي من رؤى “ابن سلمان” تجاه “الانحلال والانفتاح”

مؤشرات تصاعد الغضب الشعبي من رؤى “ابن سلمان” تجاه “الانحلال والانفتاح”

منذ وصول محمد بن سلمان إلى واجهة السلطة في المملكة العربية السعودية، ورؤيته المتمثلة ب(2030) حوّل الانفتاح تُثير الكثير من الجدل، فالانفتاح بمفهوم الشاب “ابن سلمان” الكثير من الممنوعات -والمحرمات- لدى معظم السعوديين، حيث يعتبرون ذلك انتهاكاً لقدسية الحرمين الشريفين -بلاد الحرمين- وتعد على خصوصية المجتمع دينيا واجتماعيا.

لا يناقش هذا التقرير الترفيه للسعوديين والسعوديات والموجودة في معظم -إن لم يكن كل الدول العربية والإسلامية- بل ما يصفه كثير من الدعاة والشيوخ ب”التفسخ القيّمي الذي سيفكك منظومة الأخلاق  والحفلات الصاخبة في بلاد الحرمين بحجة الانفتاح، وكان الأولى بالانفتاح السماح بحرية الرأي والتعبير لا بما يعتبره السعوديون “محرمات” استمرت السلطة وهيئة العلماء الحديث عنها طوال عقود.

هيئة الترفيه

يعود الغضب الشعبي المتزايد على “هيئة الترفيه”، فبعد تولي الملك سلمان العهد بعام تقريبًا صدر أمر ملكي بإنشاء الهيئة العامة للترفيه التي ذكرت أن من أهم أهدافها تعزيز الروابط الاجتماعية من خلال توفير فرص للعائلات والأصدقاء لمشاركة أوقاتهم الممتعة؛ حيث يتضح أن الهيئة -ومن خلال فعالياتها- لديها خطة واضحة وصريحة في تغيير ثقافة المجتمع السعودي بحجة مشاركة الأوقات الممتعة.

وفي محاولته للتغيير بالمملكة، فرض محمد بن سلمان منذ توليه ولاية العهد، في يونيو/حزيران 2017، حالة جديدة غير مسبوقة في المجتمع السعودي؛ تجسّدت في انفتاح هائل في مجالات الموسيقى والغناء، في حين قيّد من جانب آخر الأصوات الرافضة لهذا الانفتاح.وبشكل سريع انتشرت حفلات الرقص المختلط في السعودية، التي وصفتها شبكة “بلومبيرغ” الأمريكية، في تقرير سابق لها، بأنها محاولة لإخفاء “الجانب المظلم” لولي العهد السعودي.

فلم يكن يخطر ببال السعوديين يومًا أنه سيكون مسموح لهم رجالاً ونساءً أن يجتمعوا في أماكن عامة ومنتزهات وأسواق؛ علاوة على حفلات صاخبة ومختلطة، على مقربة من الحرمين المكي والمدني،وفي ظل وجود تشرب ديني مجتمعي،ووجود قبلي محافظ. وبحسب صحيفة الشرق الأوسط السعودية، فإن الحكومة السعودية رفعت موازنة الإنفاق على الأنشطة الترفيهية عام 2017 إلى 6 مليارات دولار بعد أن كانت نحو 2.9 مليار.

يحظر على الشيوخ والعلماء انتقاد هذه الهيئة ومن يبدي اعتراضه مصيره الاعتقال؛ كما حدث للشيخ صالح آل طالب إمام المسجد الحرام الذي اُعتقل قبل أكثر من عام بسبب خطبة ألقاها في المسجد الحرام تواجه المنكرات ووجوب إنكارها على فاعلها.

ليس ذلك فقط بل إن هذا “الانفتاح” وصل إلى درجة أوسع بظهور المتطرفين وتصدرهم المشهد ضد العلماء والدعاة وخرج  محمد السحيمي الكاتب السعودي القريب من ولي العهد على MBCداعياً إلى تقليص الآذان ووصفه بالمزعج! وهي حالة طارئة في وسائل إعلام المملكة فلم يسبق أن ظهر هذا الخطاب المتطرف.

هذا التطرّف، قد يدفعه إلى تطرفٌ مضاد، فالانفتاح الذي تم إطلاقه مطلع السبيعنات في السعودية على الرغم من أنه لم يكن سريعاً أو موجهاً كما يحدث اليوم في المملكة إلا أنه أدى إلى حداثة “جهيمان” (1979) عندما اقتحم جهيمان العتيبي الحرم المكي، ويقول الباحثون إن من دوافع جهيمان العتيبي في اقتحام الحرم انتشار الفتنة والانحلال في المجتمع السعودي. ما يؤشر إلى احتمال حدوث هجمات داخل المجتمع بسبب هذا “الانفتاح” الفوضوي والصادم وغير المنضبط .

اللجوء إلى الإنترنت

يرفض معظم السعوديون دعوات “الانفتاح” وممارستها في أرض الحرمين،حتى أن معظم السعوديين -حتى رغم معارضة بعضهم لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبحوا يطالبون بعودتها- ما يدعم هذا القول على سبيل المثال في استفتاء نشرة موقعQuick Voting  الذي يسأل فيه هل تؤيد عودة صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كاملة؟ أجاب 2169784 شخصًا بـ”نعم” بنسبة 62.43% من إجمالي المصوتين البالغ عددهم 3475337 وكان 1305553 شخصًا أجابوا بـ”لا” بنسبة 37.57%.

وتعزيزاً لهذه النسبة، وحملة الاعتقالات التي طالت دعاة وشيوخ انتقدوا السلطات السعودية، وجموح ولي العهد نحو “انفتاح سيء” في بلاد الحرمين، لجأوا إلى تكوين هيئات وإطلاق عرائض على الإنترنت للحصول على توقيعات ترفض “تدجين المجتمع” و”إبعاده عن الدين”.

من ذلك عريضة “اجتماع للأقلام والحناجر الحرة” التي تحمل “نداء لأهل الغيّرة” ووقعها الآلاف خلال الساعات الأولى من نشرها، وتشير العريضة المجتمعية إلى أن ما يحدث في المملكة هو انحلال كامل للأسر وضرب للاستقرار بين الأسر والقبائل.

ومما جاء فيها: إجراء برامج هيئة الترفيه، هو عامل رئيس لإلقاء الخلاف بين العوائل والقبائل وسبب لانهيار المجتمع وسلب هويته حتى تتمكن الحكومة من خلال ذلك أن تصل إلى برامجها الإفسادية وتتحكم على الشعب يوماً بعد يوم، والحال من البديهي أن بناء مجتمعنا على الأُسر والقبائل، واستقرار الأمن في المجتمع متوقف على استقرار الأسر والقبائل.

تضيف في جانب آخر “يتأثر المجتمع بهذه الخطوات السلبية ويفقد الوحدة الإسلامية التي إكتسبها منذ القرون عبر مناسك الحج العظيمة وبالتالي يسلب أمن البلاد واستقرارها ومع الأسف أن نرى السلطة الفاسدة تبتلع ثروات المملكة في طريق خاطئوخلاف مصالح الشعب وقد بلغ بهم السفه والحماقة أن تجرؤوا على نقض الأسس الدينية والقيم والعادات والتقاليد ونشر المنكرات المخالفة لكتاب الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) خاصة في مكة المكرمة وبجوار بيت الله الحرام متجاوزين حرمة المقدسات.”

على موقع تويتر توجد مبادرة من نخبة المجتمع متمثلة بالعلماء تحت مسمى: “هيئة علماء السعودية”. تقوم هذه الهيئة بالتعبير عن مواقف السعوديين في البلاد في القضايا السياسية والدينية والأمنية، فالبيانات المنشورة تتحدث عن التطبيع مع “الكيان الصهيوني” وموقف المملكة المتخاذل في قضية “كشمير”؛ كما أنها تتحدث بوضوح عن “هيئة الترفيه”، وتواجه إملاءات “ولي العهد السعودي ووالده”.

ومما جاء في البيانات: نخاطب كل أحرار هذا البلد من العلماء والدعاة والوجهاء وأعيان القبائل أنَّ السكوتَ عن هذه المنكرات التي تجري في بلادنا خيانة لله ورسوله والمؤمنين، وأنه نوعٌ من كتمان الحق وتلبيسه بالباطل. إضافة: “نحمل نظام الملك سلمان وولي عهده كامل المسؤولية عن الاختلالات الأمنية التي تعد نتيجة طبيعية للظلم والتعسف الحاصل من قبله والذي طال جميع الأسر في بلادنا فما من بيت إلا وله قريب يئن في المعتقلات وهذا مما ينذر بعواقب وخيمة قد تتفاقم يوماً بعد يوم نتيجة الظلم والتعسف”.

كما تحدث عن المعتقلين والمعتقلات: إنَّ الزجَّ بالعلماءِ في السجون واعتقالَ النساءِ والتحرُّشِ بهنَّ داخلَ المعتقلاتِ، وملاحقةَ الأبرياءِ وقتلِهم بالطرُقِ البَشِعَةِ وغير ذلك مما يندى له جبينُ كلِّ مؤمنٍ غيورٍ يستوجب وقفةً جادة من جميع أطياف المجتمع للحيلولة دون استفحال الظلم والطغيان.

وفي المحصلة:

يمكن القول بأنه خلال عقود قامت السلطات في المملكة باستخدام المؤسسة الدينية كألعوبة وأداة سياسية وعندما رأت أن الانفتاح سيقربها من الغرب، أوقف هذه الأداة بل واستخدمتها لتشريع ما كانت تُحرمه في السابق، فحينما تريد القيادة السياسية توجيه المجتمع في اتجاه معين بصرف النظر عن إذا ما كان إصلاحيًا أم لا، يتم اللجوء إلى تلك المؤسسات لتخرج بفتاوى وأحكام دينية تدعم تلك التوجهات، وتُسخّر الدين في خدمة السياسة ومصالحها.

وبالفعل تم تنظيم مهرجان الجاز الأول “غروفز” في المملكة. ويبدو الأمر كما لو كانت المملكة مدينة «نيو أورليانز» في الولايات المتحدة (مسقط رأس موسيقى الجاز).

وهيّ إهانة بالغة السُّوء للدين وللشيوخ والعلماء ودكتاتورية مقيتة تبرز أنياب الدولة البوليسية؛ ومن يرفض من هؤلاء العلماء والدعاة يتم سجنه وتعذيبه. وتُعبر هذه القفزة غير المحسوبة عن محاولة مسابقة الزمن من قِبل ولي العهد للوصول إلى السلطة باعتباره إصلاحياً، لكن الحقيقة أن ما يقوم به “فوضى” وغير محسوب العواقب وقد تؤدي إلى انفجار مجتمعي واسع وغاضب للغاية يدخل المملكة في دوامة واسعة من الانهيار القيمي والأمني معاً.

(المصدر: مركز جزيرة العرب للدراسات والبحوث)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق