كتابات

ضرورة بيان “شمول” الإسلام

مقالات شرعية – محمد لافي

في وقت تزداد فيه الحملة الشرسة على دين الله الإسلام، من خلال زعم بعض المشككين بأنه دين محلي قومي للعرب خاصة وليس لكافة البشر، شأنه في ذلك شأن سائر الأديان التي سبقته كالنصرانية واليهودية، وأنه دين مختص بشبه الجزيرة العربية مكانياً فقط… تزداد الحاجة إلى بيان خاصّية من أبرز خصائص الإسلام، ألا وهي “الشمول”.

وفي زمن يدّعي فيه بعض المغرضين والحاقدين على هذا الدين، بأن الإسلام كان ديناً مؤقتاً لفترة زمنية محدودة فحسب، وأن صلاحيته اقتصرت على فترة نزول الرسالة المحمدية، وأنه لا يصلح أبدا للتطبيق في العصر الحديث، زمن الحداثة والتطور التقني والعلمي…. تتأكد ضرورة توضيح شمول هذا الدين لزمن النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده من الأزمان إلى قيام الساعة.

ومع محاولة الكثير من أعداء الدين العزف على وتر عدم شمول الإسلام لجميع ما يحتاجه الإنسان، وأن تعاليمه لا تستطيع مواكبة جميع أطوار الإنسان، ولا تساير تطور حياته المادية والاقتصادية “التعاملية” والسياسية والاجتماعية…. تنبع أهمية إزالة هذا اللبس وهذه الشبهات حول شمولية الإسلامية.

ويحلو لبعض هؤلاء المشككين بشمولية الإسلام الاستدلال ببعض آيات القرآن الكريم لتأييد مزاعمهم الباطلة وشبهاتهم الفاسدة، متبعين أسلوب الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه الآخر كما وصف الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة/85.

ومن الآيات القرآنية التي يستدلون بها على عدم شمولية الإسلام:

1- قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ….} إبراهيم/4، حيث يقولون: كيف يرسل الله رسولا إلى الناس كافة وكثير منهم لا يعرفون لغته ولا يفهمون ما يقول؟!.

وعلى الرغم من أن الذين استشهدوا بهذه الآية قد تغافلوا عمداً عن كثير من الآيات القرآنية التي تؤكد شمول رسالة الإسلام الناس كافة وعدم اختصاصها بالعرب – والتي سيأتي ذكرها لاحقا – إلا أن الآية التي استدلوا بها لا تشير من قريب أو بعيد إلى عدم الشمول والعالمية، فليس في نزول القرآن الكريم باللغة العربية أي دلالة على اختصاص العرب به، إذ من الطبيعي أن يأتي القرآن – وإن كان لجميع الناس – بلغة واحدة، ألا وهي لغة القوم الذي نزل عليهم “العرب”، ليحملوه بدورهم إلى الناس ويبلغوه للعالمين.

يقول ابن كثير في تفسير الآية: هذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلاً منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم…… وقد كانت هذه سنة الله في خلقه: أنه ما بعث نبياً في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله بعموم الرسالة إلى سائر الناس (1).

2- ومن تلك الآيات التي يستدلون بها على باطلهم قوله تعالى: {….. وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا….} الأنعام/92، ويظنون أن ما حول أم القرى “مكة” هي الجزيرة العربية فحسب، بينما الحقيقة غير ذلك تماماً.

يقول الطبري في تفسير الآية: ولتنذِر به عذابَ الله وبأسَه مَنْ في أم القرى، وهي مكة، “ومن حولها”، شرقًا وغربًا من العادلين بربّهم غيره من الآلهة والأنداد، والجاحدين برسله، وغيرهم من أصناف الكفار.

وقد نقل عن ابن عباس قوله: “ولتنذر أم القرى ومن حولها”، و”أم القرى” مكة “ومن حولها”، الأرض كلها (2).

وبعيداً عن هذا الرد المفحم لما ظنه أعداء الإسلام دليلاً من القرآن على خصوصية هذا الدين وعدم شموله، فإن الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية على شمول الإسلام أكثر من أن تحصى، ويكفي من القرآن الكريم الإشارة إلى قوله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا…} الأعراف/158، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون} سبأ/28، وقله تعالى: {ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} النحل/89.

ويكفي من الأحاديث النبوية دلالة على شمول الإسلام وعالميته حديث جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) (3).

وإذا كان ما سبق هو معنى شمول الإسلام الظرفي الزماني والمكاني، وكذلك شموله الشخصي لكافة الناس أفرادا وجماعات دون استثناء، فإن هناك شمولية التشريع، الذي يتجلى في العقيدة والتصور، وفي العبادة والنسك، وفي الأخلاق والفضائل، وفي المعاملات والتشريع.

1- شمول العقيدة: من حيث كونها تفسر جميع القضايا المصيرية التي كانت وما زالت تشغل الفكر البشري، وتعطي المسلم الأجوبة الشاملة الكاملة عن حقيقة الكون والإنسان والحياة، وتخرجه من الضياع والشك والحيرة التي هي آفة المذاهب والأفكار الفلسفية المعاصرة.

والحقيقة أن مقارنة العقيدة الإسلامية بغيرها من العقائد والمذاهب والأفكار والفلسفات، تظهر انفرادها بخصوصية الشمول، فبينما قد تعنى بعض العقائد بقضية الألوهية دون قضية النبوة والرسالة، أو تعنى بقضية الإنسان دون قضية الألوهية….تعنى العقيدة الإسلامية بجميع قضايا الألوهية والنبوة وغيرها من مسائل الغيب، بأسلوب وطريقة قرآنية نبوية سهلة وغير معقدة، وبشمول منقطع النظير.

كما تظهر خاصية شمول العقيدة الإسلامية في اعتمادها على النقل والعقل في إثبات وجود الله وسائر مسائل الاعتقاد، فهي ليست كالنصرانية التي ألغت العقل واعتمدت على النصوص المحرفة والوجدان، وليست كبعض الفرق التي غالت في تقديس العقل وجعله مقدماً على النقل في مسائل العقيدة وغيرها كالمعتزلة.

ولعل من مظاهر الشمول في العقيدة الإسلامية أنها عقيدة لا تقبل التجزئة أبداً، فلا يكتمل إيمان المنتسب لها إلا بالجزم بكل مضمونها ومسائلها، وهي بذلك عقيدة متميزة عن غيرها من العقائد الباطلة المنحرفة (4).

2- شمول العبادة: والتي تظهر في الإسلام من خلال التنوع في العبادة بين العقل من خلال التفكر والتدبر في خلق الله، وعبادة القلب بالخوف والرجاء، وعبادة اللسان من خلال الذكر والدعاء، وعبادة البدن بالصلاة والصيام والجهاد، فالعبادة في الإسلام تشمل الكيان الإنساني كله، ولا تقتصر على جزء منه دون الآخر.

ولعل من أروع وأبدع معاني الشمول في العبادة في الإسلام، أنها لا تقتصر على الشعائر التعبدية المعروفة كالصلاة والصيام والزكاة، وإنما تشمل كل عمل يبتغي به المسلم وجه الله تعالى، فتنقلب بذلك حركات المسلم في كل حياته إلى عبادة إن أخلص النية لله.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: العبودية: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة والزكاة…إلخ وأمثال ذلك من العبادة (5).

ولعل من الشواهد النبوية على شمول العبادة في الإسلام تصحيحه وتعميمه صلى الله عليه وسلم لمعنى في سبيل الله لتشمل غير الجهاد المعروف عند الصحابة الكرام، ففي الحديث عَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ، قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ) (6).

3- شمول التشريع: فالتشريع الإسلامي يختص بشموله جميع ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة، فما من حدث ولا عمل يصدر عن الإنسان، وما من علاقة تقوم بينه وبين غيره إلا وللشريعة الإسلامية حكم فيها وبيان.

إن المدقق في أحكام التشريع الإسلامي يلاحظ شموله المعاملات المالية بجميع أنواعها وأشكالها، وما يتصل بتبادل المنافع بين الناس أفراداً كانوا أم جماعات، بالإضافة إلى ما يسمى اليوم بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث ونسب….الخ، ناهيك عن أحكام السياسة والحكم وعلاقة الحاكم بالمحكوم والعكس، بل وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول والكيانات، من سلم وحرب وأمان وصلح ومعاهدات…الخ.

4- شمول الأخلاق: فالاتجاه الأخلاقي في الإسلام لم يدع جانباً من جوانب الحياة الإنسانية – روحية أو جسمية، دينية أو دنيوية، عقلية أو عاطفية، فردية أو اجتماعية – إلا رسم له المنهج الأمثل والأقوم لقواعد السلوك (7).

ولعل ما يؤكد هذا الشمول الأخلاقي تناوله الإنسان والكون والحياة، ثم تناوله من جميع جوانبه الداخلية الروحية، والخارجية المادية، لتستقيم حياة الإنسان وسلوكه وأخلاقه، من خلال الربط بينها بتوازن دقيق، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} القصص/77.

ويظهر الشمول في الإسلام أيضاً من خلال عدم جواز الأخذ ببعض جوانبه دون الآخر، فلا يجوز الأخذ بجانب العقيدة دون العبادة، لأن الإيمان في حقيقة تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان، كما لا يجوز تطبيق العبادة دون التحلي بالأخلاق، لأن الأخلاق هي ثمرة الطاعة والعبادة الصحيحة في الإسلام، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ..} العنكبوت/45.

إن معرفة المسلم لخصائص دينه الإسلام وعلى رأسها “الشمول” أضحت في هذه الأيام ضرورة ملحة، نظراً لما يتعرض له هذا الدين من خلال وسائل الإعلام التي يتلقى كثير من المسلمين معلوماتهم منه – وللأسف الشديد – من حملات تشويه متعمد، وتحريض لإبعاده عن حكم حياة المسلمين.

والله نسأل أن يرد المسلمين إلى دينهم فهما وتطبيقا ردا جميلا. إنه سميع قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين.

____________________

(1)  تفسير ابن كثير 4/477 .

(2)  تفسير الطبري 11/531.

(3)  صحيح البخاري برقم/335.

(4)  الخصائص العامة للإسلام للدكتور يوسف القرضاوي بتصرف ص 108

(5)  رسالة العبودية ص23.

(6)  معجم الطبراني برقم 15619 وصححه الألباني.

(7) بحوث في مقارنة الأديان د. أحمد أحمد عبد الرحيم السايح ص124.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق