كتاباتكتابات مختارة

سعيد بن جبير .. الرجل الذي قتل طاغية العراق بدمائه

بقلم محمد صلاح قاسم

فكم عاشَت نفوسٌ وهي موتى ــــــــــــــــــــــــــــــــــ وكم ماتَتْ نفوسٌ وهي حيَّهْ

الشاعر الفلسطيني المعاصر تميم البرغوثي

ليس هذا أول مقال أستشهد فيه بعصر الحجَّاج، ولا أملكُ أن يكون الأخير. إذ لا يمكن لقارئ لتاريخ الأمة الإسلامية – خاصة من يكابد كحالنا زمن قاع الطغيان، ويبحث عن جذور مآسينا المعاصرة – إلا أن يتوقف كثيرًا أمام الحجاج الثقفي، طاغية العراق الأشهر. وأخطر من الحجاج، الأثر الثقافي الكارثي الذي أحدثته أيام الحجاج (٧٥ هـ – ٩٥ هـ )  في العقل الجمعي السياسي للأمة،وتعزيزها للانحراف الكبير عن جادة العدل والشورى، والذي بدأه قبل الحجاج بسنواتٍ  أسياده الأمويون.

ببعض الجرأة، وبالكثير من الطموح والحقد، فرض الحجاج نفسَه السهمَ الأنْفَذ في كنانة الأمويين، ورجل مهامِّهم القذرة … قتل الخليفة الثائر ابن الزبير – رضي الله عنه – آخر خصومهم الأقوياء. ثم تصدّر للعراق صداعِهم المؤرق، فأنشب مخالبه فيه ٢٠ عامًا، قطف فيها الآلاف من أينع العقول والقلوب، الكثيرَ منها قتلها صبرًا بين يديه، كروتينٍ يوميٍّ بدار الإمارة.


ثورة القراء

  إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه: أحمِل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك!  أنتم إذا ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه، وإن هلكتم كنتم الأعداء البغضاء … اخلعوا عدو الله الحجاج!

عامر بن وائلة الكناني، أحد قادة التمرد ضد الحجاج 81 هـ

كانت النفوس تغلي تحت السطح خاصة في العراق. فمظالمُ الأمويين زكّمت أنف الواقع والتاريخ، وما زال الناس – حينها – حديثي العهد بالزمن الراشد. وحتى كياسة المستبد الأول معاوية، والتي وازن بها طغيانه، فاستقر ملكه ٢٠ عامًا، افتقدها خلفاؤه الذين حققوا في الـ ١٣ عامًا التالية لعهده رصيدًا مرعبًا من الإنجازات، كان يخجل من فعل أكثرها أجدادهم زعماءُ كفار قريش (قصف الكعبة مرتين بالمجانيق ٦٤ هـ و٧٣ هـ لقمع ثورة الزبيريين، ثم قتل ابن الزبير ٧٣ هـ عائذًا بالحرم، واستباحة المدينة المنورة بعد وقعة الحرة ٦٣ هـ لقمع ثورتها).

استغلَّ الأمويون سياستَهم التوسعية، في ترويض العراق معقل القلاقل ضدهم. فكان يشاغلون العراقيين أولًا بأول بتجنيدهم للقتال في جيوش الفتوحات الشرقية ضد القبائل التركية في آسيا. فإن حققوا نصرًا، حُسب للعرش الأموي، واكتسبوا المزيد من النقاط بشرعية الفتوحات والجهاد ضد أعداء الأمة، وإن هُزموا، لم يذرفوا عليهم دمعة، فالخزان البشري الأساسي الداعم للأمويين هو جيوش الشام. وكان الكثير من شرفاء العراقيين يشتركون في هذه الفتوحات، رغم كراهيتهم للأمويين وللحجاج، حتى لا يكونوا فارين من الجهاد في سبيل الله.

كان الانفجار بحاجة لشرارة لا أكثر، فكل أسبابه الموضوعية قائمة. جاءت الشرارة مع تمرد عبد الرحمن بن الأشعث أحد قادة الفتوحات. كان بين ابن الأشعث والحجاج خلافاتٌ شخصية كثيفة، يغذيها صلفُ الحجاج، واعتزاز ابن الأشعث بقدراته، وأن أكثر من مجرد قائدٍ تحت إمرة الحجاج، الذي يراه عبد الرحمن دعيٌّ مجرم. عام 81هـ، وصل خلاف الرجلين إلى نقطة اللاعودة. فقد أصر الحجاج على أن يوغل ابن الأشعث بجيشه في بلاد الترك فورًا، بينما رأى الرجل أن يقيم بجيشه شهورًا بالثغور الحدودية ليتقوى بالمؤن والسلاح، ويستطلع مناطق العدو بشكل أوفى.

حمل الرسل رسائلَ نارية بين الرجلين، وصلت حدتها إلى اتهام الحجاج لابن الأشعث بالكفر والمروق والجبن. نقل ابن الأشعث لجيشه أوامر الحجاج، وأعلمهم بنيَّته العصيان، وأنهم على الخيار. تمالأ القومُ جميعًا مع قائدهم على الخروج المسلح ضد الحجاج، وتذاكروا جرائمه بحقهم، واستهانته بالدماء. رأى بعضهم أن أوامر الحجاج محاولة غير مباشرة لقتلهم. فتصالح ابن الأشعث مع رتبيل ملك الترك، وتوجه بالجيش صوب العراق لمناجزة الحجاج، بعد أن بايعوه على القيام بالعدل والشورى على نهج الخلفاء الراشدين. وكان بين الثوار الكثير من الفقهاء وحفظة القرآن، وكانوا يُلقَّبون بالقُرَّاء.

على مقربة من العراق، تشاور القوم في أنَّ خلع الحجاج، خلعٌ لسيده الذي أقرَّه على ظلمه، فتوافقوا على إعلان خلع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان. وصلت الأخبار للحجاج، فهاله الأمر، وأرسل لعبد الملك يستمدُّه. أخذ الأخير يُعبيء الجيوش الشامية ويرسلها للحجاج تباعًا.

قبل أن نستكمل قصة هذه الثورة، سنمر على بطل موضوعنا أولًا، والذي كان أحد قادة الجيش المتمرد، إذ كان أحد المؤتمنين على أموال الجيش، لورعه وإخلاصه.


العالِمُ العامِل .. التوقيع بالدم لم يأتِ من فراغ

  كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه، يقول: أليس فيكم  سعيد بن جبير؟!

جعفر بن أبي المغيرة – من رواة الحديث بعصر  ابن جُبيْر

سيرة  الثائر العظيم سعيد بن جبير، مثال بارز للروح الحقيقية لعلماء الأمة، قبل أن يُدجِّنها عقودٌ من سطوة الاستبداد. كان للرجل باعٌ طويلٌ في العبادة وعلوم الشرع، وطارت شهرته في الآفاق. لكنه لم يكن من ذلك الصنف من علماء الدين الذي تختنق به بلادنا هذه الأيام، والذي يكتفون بوعظ الناس بالرقائق، بينما يأخذ الطغاة بناصيتهم، ويسومونهم الخسف والإذلال.  أخذ الرجل العلم عن مشاهير الصحابة – رضوان الله عليهم – كعائشة، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيدٍ الخدري، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمر .. الخ. وتزيَّنت به مجالس العلم عالمًا ومتعلمًا، في البصرة والحجاز وفارس. وتتلمذ على يديه العشرات من أعلام جيل التابعين.

يذكر لنا القُصَّاص غرائب عن حال سعيد بن جبير، لا ندري أهكذا كان الرجل فعلًا، أم أن أيقونية استشهاده جعلت نَقَلة التاريخ يصدقون كل أسطورة تُروى عنه، ودوَّنوها لنا. يذكرون مثلًا أنه كان يختم القرآن كل ليلتيْن كاملًا، ويقضي أكثر ليله قائمًا، وأكثر نهاره صائمًا، رغم أنه ظلَّ مُطارَدًا 12 عامًا، كي لا يقع في يد الحجاج، فيفتنه في دينه، ويتشفى به.


وما أدراك ما دير الجماجم !

 قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة.

عامر الشعبي، أحد أعلام قُرَّاء العراق مشجعًا الثوار في إحدى المعارك ضد الحجاج

نعود الآن إلى أخطر ثورة هزت العرش الأموي بعد الثورة الزبيرية. خالف الحجَّاج نصيحة أحد قادته بالانسحاب التكتيكي، وترك الثوار يدخلون البصرة والكوفة، فيختلطون بأهلهم بعد شهور من الغياب، فتفتر همَّتهم، وأرسل طلائع جيشه لتصدهم على الحدود. هُزمت طلائع الحجاج، وتتبعها الثوار حتى دخلوا البصرة ظافرين، وانضم لهم جُلَّ علمائها وأهلِها، سوى قلة ممن خافوا العاقبة، وسورة الدم كالحسن البصري. تلتْ ذلك معارك أخرى هُزم الحجاج في أكثرها، ونجح الثوار في العام التالي 82هـفي الاستيلاء على الكوفة عاصمة العراق.

حشد كل طرفٍ قدَّه وقديده لمعركة فاصلة بعد أن اكتملت الحشود. تراءى الجمعان في منطقة تسمى دير الجماجم بالعراق. استمرت المعارك التصادمية أيامًا، وبدا الحجاج – رغم تكامل حشود الجيوش الشامية – عاجزًا عن الحسم.  فكر عبد الملك بن مروان في صفقة سياسية مع الثوار، يعزل بموجبها الحجاج، ويولي على العراق من يرتضونه، ويمنح ابن الأشعث ولايةً يختارها. رفض قادة الثوار الصفقة بعد أن عرضها عليهم ابن الأشعث، للتاريخ الطويل من انعدام الثقة بين الأمويين والعراقيين، كما كانت الكفة تميل لهم قليلًا، إذ كانوا يحاربون ببلادهم، بينما الشاميون بعيدون عن خطوط إمدادهم.

استمرت الحرب أسابيعَ، حتى دخل عام 83هـ. وكانت الغلبة معظم الأيام للعراقيين. استمات الحجاج في الحرب، إذ كان يراها حياة أو موتًا بالنسبة له، خاصة بعدما علم بمحاولة عبد الملك التخلص منه مقابل تسكين الثورة. فكَّر الحجاج في طريقة يضرب بها الثوار في مقتل. فأمر جنوده بالتركيز على كتيبة القراء، لمكانتهم في نفوس الثوار، ولكسر الروح المعنوية لهم. وبالفعل قتل أعدادًا غفيرة منهم، فانخذل جيش الثوار، وهرب ابن الأشعث، وضاقت به الأرض حتى احتمى بملك التُرك.

أمعن الحجاج في تتبع الثوار قتلًا وأسرًا وتنكيلًا. وقتل المئات من الأسرى بينَ يديه. فرّ سعيد بن جبير لسنواتٍ من عيون الحجاج التي بثها في كل مكان بالعراق وخارجه لتتبع فلول الثوار،  قضى بعضها في الحجاز أثناء ولاية عمر بن عبد العزيز للمدينة المنورة، إذ كان عمر يمقت الحجاج، ويأوي الكثير من معارضيه الهاربين. فلما تنحَّى عمر بعد واقعة خبيب، بدأ خليفته في القبض على المعارضين، وتسلميهم للحجَّاج، وفعل مثله خالد القسري والي مكة، وكان ابن جبير فيها.

اقرأ أيضًا: المعارض السياسي الذي قضى بسياط الخليفة العادل

كان الحجاج بعد انتصاره الصعب على هذه الثورة العارمة، قد اختط لملكه عاصمةً إدارية جديدة، فأنشأ مدينة واسط بوسط العراق على مسافة من الكوفة والبصرة. وهي التي أُرسل إليه فيها ابن جبير، ودار في قصره بها المشهدَ الأخير.


ويلك يا سعيد!

ما يبكيك ؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة ؟!

الإمام الشهيد سعيد بن جبير مواسيًا ابنه الذي أتاه مودعًا قبل تنفيذ حكم الطاغية

مشاهد مؤثرة نقلتها كتب التاريخ للحوار الأخير بين الحجاج وسعيد بن جبير أواخر عام 94هـ. ما بين ثبات البطل على عتبة الاستشهاد، وعناد الطاغية في غي الاستبداد، رُسِمَت النهاية التي تليق بكليْهِما.

يصيح الحجاج قائلًا: «ويلك يا سعيد !»، فيرد الشهيد الحي: «الويلُ لمن زُحزِحَ عن الجنة وأُدخِل النار!»، يرد الحجاج في صَلَف: «اختر أيَّ قتلةٍ تريد أن أقتُلَك». يرتد السؤال في منتصف جبهته: «اخترْ لنفسكَ يا حجاج، فواللهِ ما تقتُلُني قِتلةً إلا قتلتُكَ مثلَها في الآخرة!». استمرت المعركة الكلامية بعدها حينًا، ثم صدر أمر الطاغية بالإعدام. كان رد البطل ضحكة ساخرة، لما سُئلَ عن سببها، قال للحجاج: «عجِبْتُ من جرأتِكَ  على الله وحِلمِه عنك!».

كان سعيد بن جبير لا يأخذ برخصة التقية، كما فعل بعض الناجين من القراء، الذين استأمنوا الحجاج، بأن أعلنوا أنهم أخطأوا بالعصيان. دفع الرجل حياته ثمنًا لهذا الموقف، بعد أن جعل من نفسه وصمةً بارزة على زمن الحجاج والأمويين، الذين أدخلوا أمتنا نفق الاستبداد، الذي ما زلنا نتلمس حتى الآن لأنفسنا ضوءًا في آخره.

يُذكَر أن ابن جبير كان آخر من قتله الحجاج صبرًا بين يديه، إذ لم يدُم بقاؤه طويلًا، فتوفي العام التالي 95هـ. ولعلها كانت دعوة مستجابة من ابن جبير، ألا يبتلي الله أحدًا بعده بالحجاج.

يُنقَل عن أحد بطانة الحجاج أنه دخل عليه مصادفة بعد مقتل ابن جبير، فسمعه يبكي قائلًا: «ما لي ولسعيد بن جبير.. ما لي ولسعيد بن جبير..». ففرّ قبل أن يراه الحجاج فيعلم أنه اطلع عليه في حالٍ ضعف فيقتله. ولم يلبث الحجاج بعد هذا الموقف أيامًا كثيرةً حتى هلك.

(المصدر: إضاءات)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق