كتاباتكتابات مختارة

تفكيك أدوات السلطة (1) .. حق المراقبة

بقلم د. عمرو عادل

الصراع على السلطة على مدى التاريخ كانت المحرك الأكبر للصراع ليس فقط على مستوي النظام الحاكم ولكن في مستويات أدنى من ذلك بكثير، والسلطة في النظام السياسي لها تعريفات متعددة ولكنها تدور حول الحق في احتكار القوة لضبط المسارات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع، وأكد الباحثون والمنظرون بل وأحداث التاريخ حتمية وجود سلطة ما؛ ولكن السلطة في النظام الحديث وخاصة الاستبدادي قامت باحتكارات واسعة مما حول الضبط إلى حالة من إعادة هيكلة كل المجتمعات طبقا لما تراه السلطة صحيحا سواء كان ذلك متسقا مع إرادة المجتمع أم لا.

ففي مصر على سبيل المثال، يمكن القول إن تنظيم السلطات داخل الدولة متوافق مع النموذج الحداثي، إلا أن طبيعة الانتقال غير الطبيعي من نظام قديم مختلف إلى النظام الحديث؛ ربط هذا النموذج بالاستبداد ربما بشكل حتمي، وهذا الاستبداد مع طول الزمن ورسوخه حَوَّل السلطة السياسية في مصر – ليس فقط إلى الاستبداد-ولكن إلى معاداة الشعب أيضا، وتحولت السلطة إلى عدو مباشر يعلن احتقاره وانفصاله عن الشعب دون خجل.

إن الاختباء خلف الأسوار العالية في المنتجعات وعدم الظهور تماما في الشوارع بين الناس والابتعاد عن لغة وثقافة المجتمع السائدة هي واحدة من مظاهر انفصال السلطة، كما أن استخدام كافة أدوات القوة ضد الشعب واستخدام الحوار وأدوات العمل السياسي مع الخارج – كما ذكر جمال حمدان -هي أحد أهم مقدمات العداء مع الشعب.

إذا فالسلطة في مصر يمكن توصيفها بشكل مختلف على أنها استخدام كافة أدوات القوة ضد الشعب للسيطرة على مقدراته وتغيير لمساراته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وهذا عداء معلن وبالتالي يجب كسر هذا النمط من فكرة السلطة في مصر، وإذا كان الشعب أو جزء منه يريد التحرر من هذا العداء فمن الواجب معرفة الأدوات التي يستخدمها العدو ومحاولة تفكيكها بكل الطرق المناسبة، والجانب الآخر هو التمسك بكل ثوابته الاجتماعية والثقافية ضد محاولات السلطة لتغييرها.

ولذلك يمكن حصر أدوات القوة للنظام في النقاط الآتية:

1-السيطرة على الثروة
2-القوة المسلحة
3-السيطرة على تدفق المعلومات
4-حق المراقبة للمجتمع
5-قوة القانون
6-حق العقاب

وفي الدول الحديثة المستقرة – حتى لو مرحليا – يوجد هناك قدر من التوازن في هذه الأدوات فلا يتحول النظام إلى نظام معادي لشعبه، أما في حالة مصر؛ وهي نموذج لعداء السلطة السياسية للشعب؛ فتحتكر السلطة كل شيء بل وتعتبر أي محاولة للتواجد داخل تلك المساحات هو إعلان حرب عليها، ولذلك فإن تفكيك تلك الأدوات هي أحد مسارات محاولات التحرر من تلك السلطة.

هناك الكثير من العقبات التي تواجه فكرة تفكيك أدوات السلطة في مصر ويمكن إجمالها في محورين رئيسيين:

1-عقبات نتيجة لسيطرة النظام شبه الكاملة على كل الأدوات مما بحول المجتمع إلى سجن كبير.

2-عقبات نتيجة عدم رغبة قطاع واسع من المؤمنين بخطورة استمرار السياسي على المجتمع المصري في تفتيت السلطة، حيث أن إيمانهم بالسلطة حتى لو كانت معادية للشعب أكبر من قدرتهم على فكرة ضرورة تفتيتها أو فكرة العدالة. وغالب هذا القطاع لا زال يطمح في إمكانية إعادة بناء سلطة حديثة من داخل النظام، قد يكون ذلك ممكنا في حالة اقتصار المشكلة على استبداد السلطة فقط، أما إذا وصلت تلك السلطة إلى حالة العداء مع المجتمع؛ فيكون ذلك مستحيلا ومن الضروري بل والواجب التحرك في مسار تفتيت تلك السلطة تماما.

وهذا التفكيك يحتاج إلى قوى تؤمن بأن نشر فكرة التمرد على السلطة ورفض كافة إجراءاتها وما تفرضه على المجتمع وتحجيم قدراتها مسار حتمي، ونتناول في الجزء الباقي أحد تلك الأدوات وربما أخطرها على محاولات المقاومة وهي حق مراقبة المجتمع.

وتستخدم السلطة حقها – غير المفهوم السبب – لمعرفة كل تفاصيل السكان – وذلك عن طريق المؤسسات والأجهزة الأمنية وشبكات الجواسيس المنتشرة جغرافيا في كل مصر، وكل هذه الأدوات لا تستخدم إلا في سبيل مراقبة العدو الذي تخشاه السلطة وليس للمعرفة مع تحفظنا على صحة ذلك الفرض.

ومن الضروري أن نعرف أن تقليل حجم المعلومات التي تصل للنظام مهما كانت بسيطة تقلل من سيطرة النظام وبالتالي تساهم في عملية التفتيت وهي عملية طويلة ومركبة، ولذلك بالنسبة للمعلومات التي يحصل عليها النظام فيجب تقليلها إلى الحد الأدنى وعدم التطوع لمده بمعلومات سواء في أي إحصاءات أو استبيانات أو إمداده بمعلومات يمكن إخفائها، وبالنسبة للمؤسسات الأمنية فهذا يحتاج لمرحلة متقدمة من الصراع ليس هذا مجالها الآن.

والملف الأخطر في قدرة النظام على اختراق المجتمع ومعرفة كافة تفاصيله وبالتالي منع أي محاولة بناء منظومة مقاومة أو تحرر هو الجواسيس المنتشرة جغرافيا ويمكن تقسيمها إلى:

1-جاسوس تكنولوجي وهي الأجهزة الذكية التي نحملها معنا؛ وهي أحد أهم الأدوات الحديثة للمتابعة والمراقبة، وهي خطيرة للغاية على كل من يرغب في بناء منظومات المقاومة من حيث استخدامها في التواصل أو بناء شبكات مجتمعية مقاومة وخاصة للمعروفين للأجهزة الأمنية، لذلك يجب تخفيض أو منع استخدامها حيث يمكن عن طريقها تدمير الكثير من المحاولات.

2-الجاسوس البشري وهي شبكة معقدة من الأفراد المنتشرين في كل مكان ويرتبطون بشكل مباشر أو غير مباشر بالأجهزة الأمنية.

إن هذه الشبكة من الجواسيس البشرية تعتبر عين السلطة المعادية سواء كانت سلطة احتلال أو سلطة استبداد معادي، ويتناسب حجم هذه الشبكة طرديا مع حجم انعزال الطبقة الحاكمة عن الشعب، فكلما زاد انعزالها ثقافيا وماديا عن المجتمع؛ لجأت إلى شبكات أكثر قوة وتعقيدا لمعرفة ماذا يدور في الشارع وماذا يخطط الشارع ضدهم، وعدم وجود هذه الشبكة أو على الأقل إضعافها يضعف قدرة النظام على كشف المجتمع ويصيبها بالعمى والتوتر، لأن وسائل معرفتهم بالمجتمع انعدمت تقريبا مع ابتعادهم عن المجتمع عدا هذه الوسيلة.

وتجربة المقاومة الأيرلندية لها سبق عظيم في هذا المجال، حيث استمرت عقود طويلة في مقاومة نمطية جيش نظامي أمام جيش نظامي مع فارق كبير في القوى لم يؤد إلى أي نجاح، حتى ظهر مايكل كولنز وغير من أساليب العمل، ولكن الفعل الأكبر والأكثر تأثيرا هو القضاء الحاسم على شبكات الجواسيس العاملين مع قوات الاحتلال الإنجليزي، ولم تستطع المقاومة تحقيق نجاحات إلا بعد تفتيت تلك الشبكة.

إن الجيوش النظامية والنظم الهرمية ثقيلة الحركة بشكل يمنع قدرتها على التحرك المرن أو التغيير السريع في أفكارها وتحركاتها عكس المجموعات الصغيرة غير المترابطة تنظيميا، وغياب شبكة الجواسيس التي تمدهم بالمعلومات مع وجود حركة مقاومة داخل المجتمع في نفس الوقت تجعل من حركة قوى النظام داخل المجتمع أشبه بتحرك فاقد البصر الذي يحمل أثقالا في متاهة مليئة بالمرايا العاكسة والكمائن المتتالية، مما يؤدي في النهاية إلى سحقهم أو انسحابهم تقليلا لخسائرهم، وذلك يؤدي إلى وجود أماكن آمنة للمجتمع وقوى المقاومة.

تلك الخطوة التي فعلها مايكل كولنز كانت أحد الخطوات الكبرى في طريق تفتيت سلطة العدو والتحرك بحرية داخل المجتمع وإخراج سلطة العدو منه، وهذا تطور كبير جدا في مسار التمرد على النظام نحتاج للاستفادة منه.

الخلاصة، أن حق النظام في مراقبة المجتمع أحد أكبر أدوات القوة التي يمتلكها، بالتالي يصبح منع أو تقليل هذه القدرة من أدوات تفتيت سلطة النظام، وتقليل التعامل مع الأدوات التكنولوجية الحديثة في التواصل وبناء شبكات المقاومة أو التعامل معها بشكل احترافي – هذه تحتاج للكثير من التفاصيل ليس هذا مجالها -أحد تلك الأدوات، كما أن تفتيت شبكات الجواسيس التابعين للنظام أحد أهم تلك المحاور، ولا يمكن بناء عمل مقاوم دون ذلك.

 

(المصدر: مجلة كلمة حق)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق